





























بطاقــات الأحـــاديث
بطاقات دعوية تُبرز معانٍ عظيمة من الأحاديث النبوية الشريفة بأسلوب يسير وعرض جذاب تعين المسلم على فهم أعمق لدينه بطريقة يسيرة
الكل
عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا، قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا، وَوَرَدَتْ عَلَيْهِمْ رَوَايَا قُرَيْشٍ، وَفِيهِمْ غُلَامٌ أَسْوَدُ لِبَنِي الْحَجَّاجِ، فَأَخَذُوهُ، فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ، فَيَقُولُ: مَا لِي عِلْمٌ بِأَبِي سُفْيَانَ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، أَنَا أُخْبِرُكُمْ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ، فَإِذَا تَرَكُوهُ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ مَا لِي بِأَبِي سُفْيَانَ عِلْمٌ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فِي النَّاسِ، فَإِذَا قَالَ هَذَا أَيْضًا ضَرَبُوهُ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ انْصَرَفَ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ، وَتَتْرُكُوهُ إِذَا كَذَبَكُمْ»، قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ»، قَالَ: وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ «هَاهُنَا، هَاهُنَا»، قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
رواه مسلمقال أنس رضي الله عنه: شاور النبي صلى الله عليه وسلم الصحابةَ حين علِم بقدوم أبي سفيان صخر بن حرب من الشام متوجهًا إلى مكة، فتكلم أبو بكر، فلم يلتفت عليه الصلاة والسلام إلى أبي بكر، ثم تكلم عمر، فلم يلتفت إليه أيضًأ؛ لأنهما من المهاجرين، ويريد أن يسمع كلام من بايعه في العقبة، وهم الأنصار، وهذا أول المشاهد الكبرى، وكان إعراضه عن تكليم المهاجرين إنما هو ليستخرج ما عند الأنصار من خروجهم معه للحرب، فقام سعد بن عبادة فقال: هل تقصدنا نحن الأنصار يا رسول الله؟ لو أمرتنا أن نقطع البحر مشيًا لقطعناه، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى موضع برك الغماد لفعلنا ما أمرتنا به، قال أنس: فبعث النبي عليه الصلاة والسلام الناس إلى مواجهة النفير؛ لأن العِيرَ التي كانوا يحبون أن يلقوها قد فاتت، فذهبوا إلى جهة العدو، وواصلوا المسير، حتى نزلوا في بدر، فحضرت عليهم إبل قريش التي كانوا يستقون عليها، ومع الإبل غلام أسود، فأخذ الصحابة ذلك الغلام، وكانوا يسألونه عن خبر أبي سفيان هل فاتهم أم لا يزال في طريقه إليهم؟ وعن خبر أصحاب أبي سفيان الذين جاءوا معه من الشام ببضائع أهل مكة، فيقول الغلام: لا أعلم شيئًا عن أبي سفيان، ولكن هذا مشيرًا إلى من هم قريبون منهم، أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف، وهم صناديد المشركين من أهل مكة، فإذا قال ذلك ضربوه لظنهم كذبه في ذلك، فيقول حين يضربونه: نعم أنا أخبركم، هذا أبو سفيان، وإنما قال هذا؛ لتألمه بالضرب، لا لكونه يعلم مكان أبي سفيان، فإذا تركوه ولم يضربوه ثم سألوه قال: لا أعلم عن أبي سفيان شيئًا، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف مع الناس، فإذا قاله ضربوه، لأن الصحابة لم يعلموا بقدوم أبي جهل وأصحابه، فظنوا أن الغلام يكذبهم فضربوه لذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فلما رأى ضربهم العبد إذا صدقهم بإخبار الواقع، وتركهم له إذا أخبرهم بخلاف الواقع أنهى صلاته، ولم يشرع في صلاة أخرى بل التفت إليهم وقال: والذي نفسي بيده، إنكم تضربونه إذا أخبركم الواقع، وتتركونه إذا أخبركم بخلاف الواقع، قال أنس: فقال عليه الصلاة والسلام: هذا محل قتل فلان، ويضع يده على الأرض: هاهنا موضع قتل فلان، هاهنا موضع قتل فلان، فأراهم أماكن قتل زعماء قريش عند مواجهة المسلمين لهم في المعركة، قال أنس: فما تنحى ولا تباعد أحد أولئك الذين أشار النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، عن مكان يده.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ فِي قُبَّةٍ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ» فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ وَهُوَ فِي الدِّرْعِ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: {سَيُهْزَمُ الجَمْعُ، وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ، وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46].
رواه البخاريقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم غزوة بدر، في السنة الثانية من الهجرة، وهو في خيمة: اللهم إني أسألك عهدك بالنصر لرسلك، ووعدك بإحدى الطائفتين، وهزم حزب الشيطان، اللهم إن شئتَ هلاك هؤلاء المؤمنين لم تُعبَد بعد اليوم، وهذا تسليم لأمر الله فيما يشاء أن يفعله، وإنما قال ذلك لأنه علم أنه خاتم النبيين فلو هلك ومن معه حينئذ لم يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان، فأخذ أبو بكر الصديق بيده عليه الصلاة والسلام فقال: يكفيك دعاؤك يا رسول الله، لقد داومت على الدعاء أو بالغت وأطلت فيه، وهو معه عليه الصلاة والسلام في الخيمة، فخرج عليه الصلاة والسلام لما علم أنه استجيب له وهو يقول: {سيهزم الجمع، ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم، والساعة أدهى وأمر} [القمر: 46]، أي سيفرق شملهم ويفرون هاربين، بل يوم القيامة موعد عذابهم الأصلي، والساعة أشد وأمّر مذاقًا من عذاب الدنيا.
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بِغُلاَمَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الآخَرُ، فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ، قُلْتُ: أَلاَ إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي سَأَلْتُمَانِي، فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا، فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلاَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟»، قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ: «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟»، قَالَا: لَا، فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ، فَقَالَ: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ، سَلَبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ»، وَكَانَا مُعَاذَ ابْنَ عَفْرَاءَ وَمُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ.
متفق عليهقال عبد الرحمن بن عوف: بينما أنا واقف في صف القتال يوم غزوة بدر، في السنة الثانية، نظرت عن يميني وشمالي، فرأيت غلامين من الأنصار، صغيري السن، تمنيت أن أكون بين رجلين أشد وأقوى منهما؛ لأن الكهل أصبر في الحروب، فطعنني أحد الغلامين بأصبعه بلطفٍ، لأنتبه له، دون أن يشعر الآخر، فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، لماذا تسأل عنه يا ابن أخي؟ قال: عملتُ أنه يسبُّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده إذا رأيته لا يفارق شخصي شخصه حتى يموت الأسرع أجلًا منا، فتعجبت من ذلك، لعلو همته مع صغر سنه، فأشار لي الآخر أيضًا، وقال لي مثله، فلم ألبث أن نظرت إلى أبي جهل يتحرك بين الناس، فقلت لهما: ألا إن هذا هو صاحبكما الذي سألتماني عنه، فسبقاه مسرعين له بسيفيهما، فضرباه حتى قتلاه، ثم ذهبا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأخبراه بقتله، فقال: أي واحد منكما قتله؟ قال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: هل مسحتما سيفيكما من الدم؟ ليرى ما بلغ الدم من سيفيهما ومقدار عمق دخوله في جسد المقتول؛ ليحكم بالسلب لمن كان أبلغ، ولو مسحاه لما تبين ذلك، قالا: لا، فنظر في سيفيهما، فقال: كلاكما قتله، سلاح وثياب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح؛ لأنه هو الذي أثخنه، وكان الغلامان معاذ ابن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، وإنما قال كلاكما قتله وإن كان أحدهما هو الذي أثخنه تطييبًا لقلب الآخر.
عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ، وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً تَقُولُ: نُقَاتِلُهُمْ، وَفِرْقَةً تَقُولُ: لاَ نُقَاتِلُهُمْ، فَنَزَلَتْ {فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} [النساء: 88] وَقَالَ: «إِنَّهَا طَيْبَةُ، تَنْفِي الذُّنُوبَ، كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ».
متفق عليهعندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة أحد، في السنة الثالثة من الهجرة، رجع ناس من بين المدينة وأُحد، وهم عبد الله بن أُبي والمنافقون ومن تبعهم وتأثر بهم وكانوا ثلث الناس، فانقسم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قسمين في الحكم فيمن انصرف مع عبد الله بن أُبي، فمنهم من يقول: نقاتلهم؛ لأنهم مثبطون، ومنهم من يقول: لا نقاتلهم؛ لأنهم مسلمون، فنزلت هذه الآية: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا} [النساء: 88] أي: واللهُ رَدَّهم وأهلكهم، بسبب عصيانهم ومخالفتهم لرسوله عليه الصلاة والسلام واتباعهم للباطل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها المدينة، تُميِّز وتظهر وتُبعد أصحاب المقاصد السيئة كما تظهر النار وسخ الفضة إذا أذيبت، وكانت تُسمى يثرب، فسماها النبي عليه الصلاة والسلام المدينة.
عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ -وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا- عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: «إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلاَ تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا، حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا القَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلاَ تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ»، فَهَزَمُوهُمْ، قَالَ: فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ، قَدْ بَدَتْ خَلاَخِلُهُنَّ وَأَسْوُقُهُنَّ، رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ، فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ: الغَنِيمَةَ أَيْ قَوْمِ الغَنِيمَةَ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ، فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ، فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الغَنِيمَةِ، فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ، فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ أَصَابُوا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً، سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطَّابِ؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلاَءِ، فَقَدْ قُتِلُوا، فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوؤُكَ، قَالَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالحَرْبُ سِجَالٌ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي القَوْمِ مُثْلَةً، لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلاَ تُجِيبُوا لَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ»، قَالَ: إِنَّ لَنَا العُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلاَ تُجِيبُوا لَهُ؟»، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ».
رواه البخاريقال البراء بن عازب رضي الله عنهما: جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الذين لا خيل معهم يوم أحد وكان عددهم خمسين رجلًا عبد الله بن جبير أميرًا، فقال لهم: إن رأيتمونا قد انهزمنا أو إن قُتلنا وأكلت الطير لحومنا فلا تفارقوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا انتصرنا على القوم وغلبناهم وقهرناهم، فلا تفارقوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، فهزم المسلمون الكفار، قال البراء: فأنا والله رأيت النساء المشركات يسرعن في المشي، قد ظهرت خلاخلهن وسيقانهن رافعات ثيابهن وهن يهربن، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة يا قوم الغنيمة، غلب أصحابكم المؤمنون الكفارَ، فماذا تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: هل نسيتم ما قال لكم النبي عليه الصلاة والسلام؟ قالوا: والله لنذهبن إلى الناس ونأخذ من الغنيمة، فلما ذهبوا قلبت وجوههم وحولت إلى الموضع الذي جاؤوا منه، فرجعوا منهزمين عقوبة لعصيانهم قوله عليه الصلاة والسلام، فذاك حين يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعتهم المتأخرة: إلي عباد الله، أنا رسول الله، من يرجع فله الجنة، فلم يبق مع النبي عليه الصلاة والسلام غير اثني عشر رجلًا، فقَتلوا منا سبعين، وكان النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا، فقال أبو سفيان: هل في القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يردوا عليه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أي أبو بكر الصديق ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم عمر بن الخطاب؟ ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه فقال: إن هؤلاء قد قتلوا، فلم يمسك عمر نفسه عن الرد فقال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددتهم كلهم أحياء، وقد تبقى لك ما تكره، قال أبو سفيان: هذا اليوم في مقابلة يوم بدر، والحرب مرة لنا ومرة علينا، إنكم ستجدون في قتلاكم أقطع الأنف أو الأذن أو شيئًا من الأطراف، ولم آمر بهذا التمثيل في القتلى ولم أكرهه، ثم أنشد يقول شعرًا: أعل هبل، أعل هبل، أي علا حزبك يا هبل، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ألا تردوا عليه؟ قالوا: يا رسول الله، ماذا نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: إن لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ألا تردوا عليه؟ قالوا: يا رسول الله، ماذا نقول؟ قال: قولوا الله مولانا، ولا مولى لكم، أي الله ناصرنا.
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ، كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ بِجَعْبَةٍ مِنَ النَّبْلِ، فَيَقُولُ: «انْثُرْهَا لِأَبِي طَلْحَةَ» قَالَ: وَيُشْرِفُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إِلَى القَوْمِ، فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لاَ تُشْرِفْ، يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ القَوْمِ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ، وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ، أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا تُنْقِزَانِ القِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآَنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي طَلْحَةَ إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلاَثًا.
متفق عليهقال أنس رضي الله عنه: في يوم وقعة أُحُد انكشف الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وتركوه، وأبو طلحة بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام مُترس عليه بترس له يحميه، وكان أبو طلحة رجلًا ماهرًا في رمي السهام، شديد سحب وتر القوس في حالة الرمي، وقد كَسَر بسبب ذلك يوم أحد قوسين أو ثلاثًا، وكان الرجل يمر بأبي طلحة ومعه كنانة من السهام، فيقول عليه الصلاة والسلام: أعطها لأبي طلحة ليرمي بها، وكان عليه الصلاة والسلام يطّلع من فوق لينظر إلى القوم وهم يرمون، فيقول له أبو طلحة: أفديك بأبي أنت وأمي، لا تطّلع من فوق فيصيبك سهم من سهام الأعداء، أقف أنا بحيث يكون صدري كالترس لصدرك. قال أنس: ولقد رأيت عائشةَ بنت أبي بكر وأمي أمَّ سليم، وكان هذا قبل فرض الحجاب، وهما تثنيان أثوابهما، أبصر خلخالهما وهما تقفزان من سرعة السير تحملان القرب على ظهورهما، تفرغان الماء في أفواه المسلمين، ثم ترجعان فتملآن القرب بالماء فتفرغانه في أفواه المسلمين، وقد سقط السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين أو ثلاثًا، بسبب النعاس الذي نزل على الصحابة يوم أحد.
عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيَارِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا حِمْصَ قَالَ لِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ: هَلْ لَكَ فِي وَحْشِيٍّ، نَسْأَلُهُ عَنْ قَتْلِ حَمْزَةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَكَانَ وَحْشِيٌّ يَسْكُنُ حِمْصَ، فَسَأَلْنَا عَنْهُ، فَقِيلَ لَنَا: هُوَ ذَاكَ فِي ظِلِّ قَصْرِهِ، كَأَنَّهُ حَمِيتٌ، قَالَ: فَجِئْنَا حَتَّى وَقَفْنَا عَلَيْهِ بِيَسِيرٍ، فَسَلَّمْنَا فَرَدَّ السَّلاَمَ، قَالَ: وَعُبَيْدُ اللَّهِ مُعْتَجِرٌ بِعِمَامَتِهِ، مَا يَرَى وَحْشِيٌّ إِلَّا عَيْنَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: يَا وَحْشِيُّ أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: لاَ وَاللَّهِ، إِلَّا أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ الخِيَارِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ قِتَالٍ بِنْتُ أَبِي العِيصِ، فَوَلَدَتْ لَهُ غُلاَمًا بِمَكَّةَ، فَكُنْتُ أَسْتَرْضِعُ لَهُ، فَحَمَلْتُ ذَلِكَ الغُلاَمَ مَعَ أُمِّهِ فَنَاوَلْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَكَأَنِّي نَظَرْتُ إِلَى قَدَمَيْكَ، قَالَ: فَكَشَفَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ: أَلاَ تُخْبِرُنَا بِقَتْلِ حَمْزَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ حَمْزَةَ قَتَلَ طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الخِيَارِ بِبَدْرٍ، فَقَالَ لِي مَوْلاَيَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: إِنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ بِعَمِّي فَأَنْتَ حُرٌّ، قَالَ: فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ النَّاسُ عَامَ عَيْنَيْنِ، وَعَيْنَيْنِ جَبَلٌ بِحِيَالِ أُحُدٍ، بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَادٍ، خَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ إِلَى القِتَالِ، فَلَمَّا أَنِ اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، خَرَجَ سِبَاعٌ فَقَالَ: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا سِبَاعُ، يَا ابْنَ أُمِّ أَنْمَارٍ مُقَطِّعَةِ البُظُورِ، أَتُحَادُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ، فَكَانَ كَأَمْسِ الذَّاهِبِ، قَالَ: وَكَمَنْتُ لِحَمْزَةَ تَحْتَ صَخْرَةٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي رَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي، فَأَضَعُهَا فِي ثُنَّتِهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ وَرِكَيْهِ، قَالَ: فَكَانَ ذَاكَ العَهْدَ بِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ رَجَعْتُ مَعَهُمْ، فَأَقَمْتُ بِمَكَّةَ حَتَّى فَشَا فِيهَا الإِسْلاَمُ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى الطَّائِفِ، فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا، فَقِيلَ لِي: إِنَّهُ لاَ يَهِيجُ الرُّسُلَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: «آنْتَ وَحْشِيٌّ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «أَنْتَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ؟» قُلْتُ: قَدْ كَانَ مِنَ الأَمْرِ مَا بَلَغَكَ، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي؟» قَالَ: فَخَرَجْتُ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ مُسَيْلِمَةُ الكَذَّابُ، قُلْتُ: لَأَخْرُجَنَّ إِلَى مُسَيْلِمَةَ، لَعَلِّي أَقْتُلُهُ فَأُكَافِئَ بِهِ حَمْزَةَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، قَالَ: فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي ثَلْمَةِ جِدَارٍ، كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ ثَائِرُ الرَّأْسِ، قَالَ: فَرَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي، فَأَضَعُهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ، قَالَ: وَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى هَامَتِهِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَقَالَتْ جَارِيَةٌ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ: وَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَتَلَهُ العَبْدُ الأَسْوَدُ.
رواه البخاريخرج جعفر بن عمرو بن أمية الضَّمْري مع عبيد الله بن عدي بن الخيار، فلما وصلوا إلى حمص قال عبيد الله بن عدي لجعفر: هل نذهب إلى وحشي ونسأله عن قتل حمزة؟ قال جعفر: نعم، وكان وحشي يسكن في حمص، فسألوا عنه، فقيل لهم: هو ذاك في ظل قصره، فوجدوه كأنه قِرْبة كبيرة، يُشبَّه بها الرَّجل السمين، فأتوه ووقفوا عنده وسلموا عليه فردَّ السلام، وعبيد الله بن عدي قد لف عمامته على رأسه من غير أن يديرها تحت حنكه، وكان وحشي لا يرى منه إلا عينيه ورجليه، فقال عبيد الله: يا وحشي هل تعرفني؟ فنظر وحشي إليه وقال: لا والله، لكني أعلم أن عدي بن الخيار تزوج امرأةً، يقال لها أم قتال بنت أبي العِيص، فولدت له غلامًا بمكة، فكنت أطلب له من يرضعه، فحملت ذلك الغلام مع أمه فأعطيته لمن ترضعه، فكأني شبهت قدميك بقدمي الغلام الذي حملته، فكان هو هو، وكان بين الرؤيتين نحوٌ من خمسين سنة، قال جعفر: فكشف عبيد الله عن وجهه ثم قال: هل تخبرنا بقتل حمزة؟ قال وحشي: نعم، إن حمزة قتل طُعيمة بن عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل في بدر، فقال لي مولاي ابن عم أبيه: جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل: إن قتلت حمزة بسبب قتله طعيمة فأنت حر، فلما خرجت قريش عام عَينَينِ وهو عام وقعة أحد، وعينين جبل من ناحية جبل أُحُدٍ، بينه وبين أحد واد، خرجتُ مع قريش للقتال، فلما اصطفوا للقتال، خرج سِبَاعُ فقال: هل سيبارزني أحد؟ فخرج له حمزة بن عبد المطلب، فقال: يا سباع، يا ابن أمِّ أَنْمار مُقَطِّعة البُظُور، وكانت أمه ختانة تختن النساء بمكة فعيره بذلك، هل تعاند وتعادي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ ثم هجم حمزة على سباع فقتله، فكان كأمس الذاهب في العدم، قال وحشي: واختبأت أنتظر حمزة تحت صخرة لأجل أن أقتله، فلما اقترب مني رميته بحربتي، فوضعتها في أسفل بطنه حتى خرجت من بين وركيه، فكان الرمي بالحربة هو موت حمزة وآخر العهد به، فلما رجعت قريش من أُحد رجعت معهم، فسكنت في مكة حتى ظهر وانتشر فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف، فأرسل أهل الطائف إلى النبي صلى الله عليه وسلم رسولًا، فقيل لي: إنه لا ينال الرسل منه بمكروه، فخرجت معهم حتى قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآني قال: هل أنت وحشي؟ قلت: نعم، قال: هل أنت من قتل حمزة؟ قلت: قد كان من الأمر في شأن قتله ما وصلك، قال: فهل تستطيع ألا تظهر وجهك لي، أي أن تبتعد عني، فخرجت ولما توفي النبي عليه الصلاة والسلام ظهر مسيلمة الكذاب، قلت: سأخرج وأقاتل مسيلمة لعلي أقتله وأواسي به نفسي، وأُكفِّر قتلي لحمزة، فخرجت مع الناس الذين جهزهم أبو بكر لقتال مسيلمة، فكان من أمر مسيلمة ما كان من المقاتلة وقتل جمع من الصحابة ثم كان الفتح للمسلمين، فإذا مسيلمة واقف في مكان منهدم من الجدار، كأنه جمل أسمر منتشر شعره، فرميته بحربتي، فوضعتها بيت ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، وقفز إليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف على رأسه، فنادت امرأة إن العبد الأسود قتل مسيلمة، ولقَّبته زورًا بأمير المؤمنين.
عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ، قَالاَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً، فَخُذُوا ذَاتَ اليَمِينِ»، فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ، فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا: خَلَأَتِ القَصْوَاءُ، خَلَأَتِ القَصْوَاءُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا خَلَأَتِ القَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ»، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا»، ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ، قَالَ: فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الحُدَيْبِيَةِ، عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ المَاءِ، يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ، وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ، وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ، فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الحُدَيْبِيَةِ، وَمَعَهُمُ العُوذُ المَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ البَيْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الحَرْبُ، وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاؤُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً، وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرْ: فَإِنْ شَاؤُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ»، فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ، قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، قَالَ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لاَ حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ، وَقَالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، أَلَسْتُمْ بِالوَالِدِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: أَوَلَسْتُ بِالوَلَدِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟ قَالُوا: لاَ، قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظَ، فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ لَكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ، اقْبَلُوهَا وَدَعُونِي آتِيهِ، قَالُوا: ائْتِهِ، فَأَتَاهُ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَيْ مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ، هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ، وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى، فَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى وُجُوهًا، وَإِنِّي لَأَرَى أَوْشَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: امْصُصْ بِبَظْرِ اللَّاتِ، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟ فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ، قَالَ: وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ المِغْفَرُ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ لَهُ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَقَالَ: أَيْ غُدَرُ، أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ؟ وَكَانَ المُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الجَاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا الإِسْلاَمَ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا المَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ»، ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَيْنَيْهِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى المُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا، وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ: دَعُونِي آتِيهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا فُلاَنٌ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ، فَابْعَثُوهَا لَهُ» فَبُعِثَتْ لَهُ، وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلاَءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، قَالَ: رَأَيْتُ البُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، فَقَالَ: دَعُونِي آتِيهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا مِكْرَزٌ، وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ»، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ» قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكَاتِبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقَالَ المُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ لاَ نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ» ثُمَّ قَالَ: «هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ البَيْتِ، وَلاَ قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ، وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» -قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ: «لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا»- فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَطُوفَ بِهِ»، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لاَ تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً، وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ، فَكَتَبَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لاَ يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا، قَالَ المُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى المُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بَعْدُ»، قَالَ: فَوَاللَّهِ إِذَنْ لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَأَجِزْهُ لِي»، قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ، قَالَ: «بَلَى فَافْعَلْ»، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، قَالَ مِكْرَزٌ: بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ، قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى المُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا، أَلاَ تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ؟ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: «بَلَى»، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ، وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: «بَلَى»، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذَنْ؟ قَالَ: «إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي»، قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: «بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ العَامَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: لاَ، قَالَ: «فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ»، قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذَنْ؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الحَقِّ، قُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ العَامَ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: «قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا»، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لاَ تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا، ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} [الممتحنة: 10] حَتَّى بَلَغَ بِعِصَمِ الكَوَافِرِ فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى المَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: العَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلاَنُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ، فَقَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ، ثُمَّ جَرَّبْتُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى المَدِينَةَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُ: «لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا» فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي، وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ» فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ البَحْرِ قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لاَ يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ، لَمَّا أَرْسَلَ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 24] حَتَّى بَلَغَ {الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ} [الفتح: 26] وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ البَيْتِ.
رواه البخاريهذه قصة صُلح الحُديبية، روى معمر قال: أخبرني الزهري، وسببُ ذكر الراويين في أول هذا الحديث الطويل أنه سيأتي ذكرهما في أثناء الحديث، فيُعرف بذلك ما هو موقعهم من هذه القصة، قال الزهري: أخبرني عروة بن الزبير بن العوام عن اثنين من شيوخه: المسور بن مخرمة رضي الله عنه ومروان بن الحكم، يُصدِّقُ كلُّ واحدٍ من المسور ومروان حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة في زمن الحديبية، يوم الاثنين لهلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة في بضع عشرة مائة، فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث بُسرَ بنَ سفيان عينًا أي جاسوسًا لخبر قريش، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن خالد بن الوليد بالغميم، وهو موضع قريب من مكة، معه خيل من قريش في مقدمة الجيش، فخذوا ذات اليمين وهي بين ظهري الحمض في طريق تخرجه على ثنية المِرَار مهبط الحديبية من أسفل مكة، وهي معروفة إلى الآن لأهل مكة، قال ابن هشام: فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش غبار الجيش الأسود قد خالفوا عن طريقهم ركض خالد راجعًا إلى قريش لينذرهم بمجيء النبي صلى الله عليه وسلم، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بثنية المرار التي يهبط منها على قريش بركت به عليه الصلاة والسلام راحلته فقال الناس: حل حل، كلمة زجر للراحلة؛ لحَمْلها على السير، فتمادت في البروك فلم تبرح من مكانها، فقالوا: امتنعت القصواء وتصعَّبت، فنفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وأخبر أن القصواء حبسها الله عن دخول مكة، كما حبس الفيل عن مكة، مع الفرق الواضح، ولكن التشبيه بين الناقة والفيل فقط؛ ولأنهم لو دخلوا مكة على تلك الهيئة وصدهم قريش عن ذلك لوقع بينهم ما يفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال، ثم قال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده لا تسألني قريش خصلة يكفون بسببها عن القتال في الحرم تعظيمًا له إلا أجبتهم إليها، وإن كان في ذلك تحمل مشقة، ثم زجر عليه الصلاة والسلام الناقة فقامت، فرجع عليه الصلاة والسلام حتى نزل بأقصى الحديبية على حفرة فيها القليل من الماء يأخذه الناس قليلًا قليلًا، فلم يتركوه الناس حتى لم يبقوا منه شيئًا، لعطشهم، فشكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهمًا من جعبته التي فيها النَّبل، ثم أمرهم أن يجعلوا السهم في الثمد، فوالله ما زال يفور ويرتفع لهم بالري حتى رجعوا رِوَاءً، فبينما هم كذلك إذ جاء الصحابي بديل بن ورقاء الخزاعي مع جماعة من قومه من خزاعة، وكان بديل والنفر الذين معه موضع سر النبي عليه الصلاة والسلام وأمانته من أهل تهامة، فقال بديل: إني تركت قبيلتي كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا إلى عيون وبئار الحديبية، فقد كان بالحديبية مياه كثيرة، وأن قريشًا سبقوا إلى النزول عليها، ولذا عطش المسلمون حتى نزلوا على الثمد، ومعهم النوق الحديثات النتاج ذات اللبن التي معها أطفالها، أي أنهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا بألبانها ولا يرجعوا حتى يمنعوه، وقيل أنهم خرجوا معهم بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام وليكون أدعى إلى عدم الفرار، وهم مقاتلوك ومانعوك عن البيت الحرام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نحن لم نأت لقتال أحد، ولكننا أتينا معتمرين، وقد أضعفت الحرب قوة قريش وضرتهم، فإن أرادوا جعلت بيني وبينهم مدة معينة أترك قتالهم فيها، ويخلوا بيني وبين الناس من كفار العرب وغيرهم، فإذا ظهرت إن أرادوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس من طاعتي فعلوا، وإذا لم أظهر فقد استراحوا من جهد القتال، والتردد في قوله فإن أظهر ليس شكًّا في وعد الله أنه سينصره ويظهره، بل على طريق التنزل وفرض الأمر على ما زعم الخصم، وإن امتنعوا عن قبول الخطة فوالذي نفسي بيده سأقاتلهم على أمري هذا حتى تنفصل رقبتي وأموت، وليمضين الله أمره في نصر دينه. فقال بديل: سأخبرهم بما تقول، فانطلق حتى جاء إلى قريش قال: إنا جئناكم من هذا الرجل يعني النبي صلى الله عليه وسلم وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نخبركم به فعلنا، فقال سفهاؤهم ضعاف العقل: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذو الرأي منهم: قل لنا ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عروة بن مسعود فقال: يا قوم ألست لكم مثل الأب في الشفقة لولده؟ قالوا: نعم، قال: ألستم مثل الابن في النصح لوالده؟ قالوا: نعم، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا نتهمك، قال: ألستم تعلمون أني دعوت أهل عكاظ للقتال نصرة لكم، فلما امتنعوا أو عجزوا جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني، قالوا: نعم، قال: فإن هذا يعني النبي صلى الله عليه وسلم وقد عرض عليكم خصلة خير وصلاح وإنصاف، فاقبلوها واتركوني أجيء إليه، قالوا: اذهب إليه، فأتاه عليه الصلاة والسلام عروة، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعروة نحوًا من قوله لبديل السابق. فقال عروة بن مسعود عند قوله سأقاتلهم: يا محمد أخبرني إذا استهلكت قومك بالكلية هل سمعت بأحد من العرب أهلك أهله قبلك، وإن تكن الأخرى أي: وإن تكن الدولة لقومك فلا يخفى ما يفعلون بكم، وإني والله لا أرى أعيان الناس معك، ولكني أرى أخلاطًا من الناس من قبائل شتى، حقيقًا بأن يفروا ويتركوك؛ لأن العادة جرت أن الجيوش المُجمَّعة لا يؤمن عليها الفرار، بخلاف من كان من قبيلة واحدة، فإنهم يأنفون الفرار في العادة، وما علم عروة أن مودة الإسلام أبلغ من مودة القرابة، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: مص بظر اللات التي تعبدونها، أنحن نفر ونتركه؟ وقد كانت عادة العرب الشتم بذلك، تقول: ليمص بظر أمه، فاستعار ذلك أبو بكر رضي الله عنه في اللات لتعظيمهم إياه، فقصد المبالغة في سب عروة، بإقامة من كان يعبد مقام أمه، وحمله على ذلك ما أغضبه به من نسبته إلى الفرار، فسأل عروة عن المتكلم، فقالوا: أبو بكر، فقال: والذي نفسي بيده لولا نعمةٌ ومنةٌ كانت لك عندي لم أكافئك بها لرددت عليك. قال: وجعل عروة يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما تكلم أخذ بلحيته الشريفة، على عادة العرب مِن تناول الرجل لحية من يكلمه لا سيما عند الملاطفة، وكان المغيرة بن شعبة رضي الله عنه واقفًا على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه سيف قصدًا لحراسته، وعلى المغيرة المغفر أي الخوذة ليستخفي من عروة عمه، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده إجلًالًا للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا بنعل السيف، وهو ما يكون أسفل القراب من فضة أو غيرها، وقال له: أَبْعِدْ يَدَك عن لحية النبي صلى الله عليه وسلم، فرفع عروة رأسه فقال: من هذا الذي يضرب يدي؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال عروة مخاطبًا المغيرة: يا غُدَر، مبالغةً في وصفه بالغدر، ألستُ أسعى في دفع شرِّ خيانتك ببذل المال، وكان المغيرة قبل إسلامه صحب قومًا في الجاهلية من ثقيف من بني مالك، لما خرجوا زائرين المقوقس بمصر، فأحسن إليهم وترك المغيرة؛ لأنه صحبهم وليس من بني مالك، وهو الوحيد من بينهم، فحصلت له الغيرة منهم، فلما كانوا بالطريق شربوا الخمر فلما سكروا وناموا غدر بهم فقتلهم جميعًا وأخذ أموالهم، وذهب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن أسلم قبل ذلك، فلما بلغ ثقيفًا فِعْلُ المغيرة تَدَاعوا للقتال، فسعى عروة عم المغيرة حتى أخذوا منه دية ثلاثة عشر نفسًا، واصطلحوا، فهذا هو سبب قوله يا غدر، فلم جاء المغيرة إلى المدينة أسلم، فقال له أبو بكر: ما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ قال: قتلتهم وجئت بأسلابهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتُخمَّس أو ليري رأيه فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أقبل الإسلام، أما المال فلا أتعرض له؛ لكونه أخذه غدرًا؛ لأن أموال المشركين وإن كانت مغنومة عند القهر فلا يحل أخذها بالغدر عند الأمن، فإذا كان الإنسان مصاحبا لهم فقد أمن كل واحد منهما صاحبه، فسفك الدماء وأخذ الأموال عند ذلك غدر، وإنما تحل أموالهم بالمحاربة والمغالبة. وجعل عروة يلحظ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه، قال: فوالله ما تنخم النبي صلى الله عليه وسلم نخامة -وهي ما يصعد من الصدر إلى الفم- إلا وقعت في كفِّ رجلٍ منهم، فدلك بالنخامة وجهه وجلده تبركًا بآثاره، وإذا أمرهم بأمر أسرعوا إلى فعله، وإذا توضأ كانوا يتقاتلون على الماء الذي توضأ به أو على ما يجتمع من القطرات وما يسيل من الماء الذي باشر أعضاءه الشريفة عند الوضوء، وإذا تكلم عليه الصلاة والسلام خفضوا أصواتهم عنده، وما يتأملونه ولا يديمون النظر إليه تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: يا قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وهو لقب لكل من ملك الروم، وكسرى اسم لكل من ملك الفرس، والنجاشي لقب من ملك الحبشة، وخص الثلاثة بالذكر لأنهم كانوا أعظم ملوك ذلك الزمان، والله ما رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظِّمُ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا، والله ما يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم عليه الصلاة والسلام خفضوا أصواتهم عنده إجلًالًا له وتوقيرًا، وما يديمون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه عليه الصلاة والسلام قد عرض عليكم خصلة خير وصلاح فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: اتركوني اذهب إليه، فتركوه، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا فلان وهو من قوم يعظمون الإبل والبقر، فأثيروها وأطلقوها له، فأثارت له واستقبله الناس وهم يُلَبُّون بالعمرة، فلما رأى الكناني ذلك المذكور من البدن واستقبال الناس له بالتلبية قال متعجبًا: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُمنعوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال لهم: رأيت البدن قد قلدت أي علق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي، وأشعرت أي طعن في سنامها بحيث سال دمها ليكون علامة للهدي أيضًا، فلا يصدون عن البيت. فقام رجل منهم يقال له مِكْرَز بن حفص، فقال: اتركوني أذهبْ إليه، فتركوه، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا مكرز، وهو رجل فاجر أي غادر؛ لأنه كان مشهورًا بالغدر، ولم يصدر منه في قصة الحديبية فجور ظاهر، فصار مكرز يكلم النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يجيبه، فبينما هو يكلمه عليه الصلاة والسلام إذ جاء سهيل بن عمرو، فلما جاء سهيل بن عمرو قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد سهل لكم من أمركم، وهذا من باب التفاؤل، وكان عليه الصلاة والسلام يعجبه الفأل الحسن، فجاء سهيل بن عمرو فقال: اكتب بيننا وبينكم كتابًا فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب وهو علي بن أبي طالب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فاعترض سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب، وكان عليه الصلاة والسلام يكتب كذلك في بدء الإسلام كما كانوا يكتبونها في الجاهلية، فلما نزلت آية النمل كتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: اكتب باسمك اللهم، ثم قال عليه الصلاة والسلام: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله، قال الزهري: وإجابته لسؤال سهيل حيث قال: اكتب باسمك اللهم، واكتب محمد بن عبد الله لقوله عليه الصلاة والسلام السابق: لا تسألني قريش خصلة يعظمون فيها حرمات الله ويكفون بها عن القتال في الحرم إلا أجبتهم إليها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تُخَلُّوا بيننا وبين البيت العتيق فنطوف به، فقال سهيل: والله لا نخلي بينك وبين البيت الحرام، حتى لا تتحدث العرب أنا أُخِذْنا قهرًا، ولكن التخلية من العام المقبل، فكتب عليٌّ ذلك، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، قال المسلمون متعجبون: سبحان الله، كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلما، فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو، وكان حُبِس حين أسلم وعُذِّب، فخرج من السجن وتنكب الطريق وركب الجبال حتى هبط على المسلمين يمشي مشي المقيَّد المُثْقَل، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال أبوه سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نفرغ من كتابة الكتاب بعد، قال سهيل: فوالله إذن لا أصالحك على شيء أبدًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: استثنِ لي هذا، فلا أرده إليك، قال سهيل: ما أنا بمجيز ذلك لك، قال عليه الصلاة والسلام: بلى فافعل، قال سهيل: ما أنا بفاعل، قال مكرز وكان ممن أقبل مع سهيل بن عمرو في التماس الصلح: بل قد أجزناه لك، قال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أُرْجَع إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت، وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله، وقوله أرجع إلى المشركين مع قول مكرز أنا أجزناه لك هو لأن المتصدي لعقد المهادنة هو سهيل لا مكرز، فالاعتبار بقول المباشر لا بقول مكرز. فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألستَ نبيَّ الله حقًّا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نقبل الحالة الدَّنِيَّة الخبيثة في ديننا إذن؟ إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري، فيه تنبيه لعمر رضي الله عنه على إزالة ما حصل عنده من القلق، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك إلا لأمرٍ أطلعه الله عليه، وأنه لم يفعل ذلك إلا بوحي من الله، قال عمر رضي الله عنه قلت له عليه الصلاة والسلام: أليس قد حدثتنا أنا سنأتي البيت فنطوف به، وكان عليه الصلاة والسلام رأى في منامه قبل أن يعتمر أنه دخل هو وأصحابه البيت، فلما رأوا تأخيرَ ذلك شقَّ عليهم، قال عليه الصلاة والسلام: بلى، فهل أخبرتك أنا سنأتيه هذا العام؟ قال عمر: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال عمر: فجئت إلى أبي بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الخصلة الخبيثة في ديننا حينئذ؟ قال أبو بكر مخاطبًا عمر رضي الله عنهما: أيها الرجل إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بأمره ولا تخالفه كما يتمسك المرء بركاب الفارس فلا يفارقه، فوالله إنه على الحق، قال عمر: قلت: أليس كان عليه الصلاة والسلام: يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال أبو بكر: بلى، فهل أخبرك عليه الصلاة والسلام أنك ستأتيه هذا العام؟ قال عمر: قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، وفي ذلك دلالة على فضيلة أبي بكر رضي الله عنه، قال الزهري قال عمر رضي الله عنه: فعملت لذلك التوقف في الامتثال والإلحاح في السؤال أعمالًا صالحةً، لعلها تُكفر عنها، ولم يكن هذا شكًا منه في الدين، بل ليقف على الحكمة في القضية، وتنكشف عنه الشبهة، وطلبًا لإذلال الكفار، كما عرف من قوته في نصرة الدين. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا الهدي ثم احلقوا رؤوسكم، قال: فوالله ما قام منهم رجل؛ رجاء نزول الوحي بإبطال الصلح المذكور ليتم لهم قضاء نسكهم، حتى قال عليه السلام لهم ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحدٌ دخل عليه الصلاة والسلام على أم سلمة رضي الله عنها فذكر لها ما لقي من الناس من كونهم لم يفعلوا ما أمرهم به، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ فأشارت عليه أن يتحلل؛ لأنه القدوة والأسوة، فإذا رأوا فعله علموا أن الأمر حتم ولازم، فقالت: اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتنادي من يحلق لك ليحلق لك، فخرج عليه الصلاة والسلام ولم يكلم أحدًا منهم حتى نحر بدنه ونادى حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا هديهم، ممتثلين ما أمرهم به، إذ لم تبق بعد ذلك غايةٌ تُنْتَظر، وجعل بعضهم يحلق لبعض حتى كادوا يقتلون بعضهم من شدة الازدحام والغيظ، وفيه فضيلة أم سلمة ووفور عقلها. ثم جاءه عليه الصلاة والسلام نساء مؤمنات بعد ذلك في أثناء مدة الصلح، وكان الصلح في الرجال، وليس فيه بيان حال النساء، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} [الممتحنة: 10] أي فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهن، حتى بلغ {بعصم الكوافر}، والمراد نهي المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات، فطلق عمر رضي الله عنه يومئذ امرأتين من نساءه كانتا له في الشرك لقوله تعالى في الآية: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} وقد كان ذلك جائزًا في ابتداء الإسلام، فواحدة منهما تزوجها معاوية بن أبي سفيان، والأخرى تزوجها صفوان بن أمية، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، وهو من قريش، وهو مسلم، فأرسلت قريش رجلين؛ ليأخذوه، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا يوم الحديبية أن ترد إلينا من جاء منا وإن كان على دينك، وسألوه أن يردَّ إليهم أبا بصير كما اتفقوا في الصلح، فسلَّمه عليه الصلاة والسلام الرجلين وفاءً بالعهد، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة نزلوا يأكلون تمرًا، فقال أبو بصير لواحدٍ منهما: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فأخرجه صاحبه الآخر من غمده فقال: نعم، والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أعطني أنظر إليه، فأعطاه له فضربه أبو بصير بالسيف حتى مات، وهرب الرجل الآخر حتى جاء المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما رآه: لقد رأى هذا خوفًا، فلما وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل أبو بصير والله صاحبي، وسيقتلني إلم تردوه عني، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله، والله قد أوفى الله ذمَّتَك، قد أرجعتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه مسعر حرب، تعجبًا من إقدامه في الحرب والإيقاد لنارها وسرعة النهوض لها، لو كان له أحد ينصره لإسعار الحرب لأثارها، فلما سمع أبو بصير ذلك عرف أنه عليه الصلاة والسلام سيرجعه إليهم إذا بقي، فخرج حتى أتى ساحل البحر على طريق أهل مكة إذا قصدوا الشام، ويتخلص منهم أبو جندل بن سهيل أي من أبيه وأهله من مكة، فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، وكرهوا أن يقدموا المدينة في مدة الهدنة خشية أن يُعادوا إلى المشركين، فلا يسمعون بخبر قافلةٍ لقريشٍ خرجت من مكة إلى الشام إلا وقفوا لها في طريقها، ومنعوهم المسير، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، لأنهم لا يشملهم العهد والهدنة، فإنما كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بمكة، فأرسلت قريش أبا سفيان بن حرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم تقول له: سألناك بالله وبحق القرابة أن ترسل إلى أبي بصير وأصحابه بالامتناع عن إيذاء قريش، فمن أتاه منهم مسلمًا فهو آمن من الرد إلى قريش، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فعلم الذين كانوا أشاروا بأن لا يُسلَّم أبا جندل إلى أبيه أن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم خير مما كرهوا، فأنزل الله تعالى {وهو الذي كف أيديهم عنكم} أي أيدي كفار مكة {وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} [الفتح: 24] أي أظهركم عليهم، حتى بلغ {الحمية حمية الجاهلية} [الفتح: 26] أي التي تمنع الإذعان للحق، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين الوصول إلى البيت؛ لأداء العمرة تلك السنة.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلاَةَ الغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ حَسَرَ الإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا دَخَلَ القَرْيَةَ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ» قَالَهَا ثَلاَثًا، قَالَ: وَخَرَجَ القَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ، -قَالَ عَبْدُ العَزِيزِ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَالخَمِيسُ، يَعْنِي الجَيْشَ- قَالَ: فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً، فَجُمِعَ السَّبْيُ، فَجَاءَ دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ، قَالَ: «اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً»، فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، لاَ تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ، قَالَ: «ادْعُوهُ بِهَا» فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا»، قَالَ: فَأَعْتَقَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا، أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرُوسًا، فَقَالَ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ» وَبَسَطَ نِطَعًا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَدْ ذَكَرَ السَّوِيقَ، قَالَ: فَحَاسُوا حَيْسًا، فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
متفق عليهقال أنس بن مالك رضي الله عنه: غزا النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، فصلينا خارجًا عنها صلاة الصبح في أول وقتها، عند اختلاط الفجر بظلمة آخر الليل، فركب النبي عليه الصلاة والسلام على حمار، وركب أبو طلحة وأنا راكب خلف أبي طلحة، فأجرى النبي عليه الصلاة والسلام مركوبه في سكة خيبر، وإن ركبتي لتلمس فخذ النبي عليه الصلاة والسلام، ثم كشف الإزار عن فخذه ليتمكن من سوق مركوبه، حتى إني أنظر إلى بياض فخذه صلى الله عليه وسلم، فلما دخل خيبر قال: الله أكبر، صارت خيبر خرابًا، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فبئس وقت القوم المنذرين، قالها ثلاث مرات، وخرج القوم إلى مواضع أعمالهم، فقالوا: محمد والخميس، أي جاء محمد والجيش، فأصبنا خيبر بالقهر والإذلال، فجمعت السبايا، فجاء دحية الكلبي رضي الله عنه، فقال: يا نبي الله، أريد جاريةً من السبي، قال: اذهب فخذ جارية، وهذا من الخمس، أو من الأنفال التي يتصرف فيها الإمام بحسب المصلحة، فأخذ صفية بنت حُيَي، فجاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا نبي الله، أعطيت دحية صفية بنت حيي، سيدة قريظة والنضير، لا تصلح إلا لك؛ لأنها من بيت النبوة من ولد هارون عليه السلام وبيت الرئاسة؛ لأنها من بيت سيد قريظة والنضير، قال عليه الصلاة والسلام: ادعوا دحية مع صفية، لينظر هل تناسبه أم لا، فدعوه فجاء بها، فلما رآها النبي عليه الصلاة والسلام قال له: خذ جارية أخرى من السبي، واسترجعها لئلا يتميز دحية بها على سائر الجيش، مع أن فيهم من هو أفضل منه، ولما سبق في الحديث، فأعتقها النبي عليه الصلاة والسلام وتزوجها، قال ثابت بن أسلم البُناني لأنس: هل أعطاها مهرًا؟ قال أنس: جعل نفس العتق مهرًا، فأعتقها وتزوجها، فلما كان عليه الصلاة والسلام بالطريق، جهزتها له أم سليم، فزفتها له من الليل، فأصبح النبي عليه الصلاة والسلام عروسًا، فقال: من كان عنده شيء من الطعام فليأت به، وبسط فراشًا، فأصبح الرجل يأتي بالتمر، وآخر يأتي بالسمن، وآخر يأتي القمح أو الشعير المقلو المطحون، فصنعوا حيس وهو طعام من التمر والأقط والسمن، فكان هذا طعام عرس النبي صلى الله عليه وسلم.