





























بطاقــات الأحـــاديث
بطاقات دعوية تُبرز معانٍ عظيمة من الأحاديث النبوية الشريفة بأسلوب يسير وعرض جذاب تعين المسلم على فهم أعمق لدينه بطريقة يسيرة
الكل
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بُعِث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِأَربعين سَنَة، فَمَكَثَ بِمكة ثلاثَ عشرة سنة يوحَى إليه، ثم أُمِرَ بالهِجْرة فَهاجَر عشر سِنِين، ومات وهو ابنُ ثَلاثٍ وستِّين».
متفق عليهأفاد الحديث أن الوحي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وعمره أربعون سنة، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة يوحِي الله إليه، ثم أمره الله تعالى بالهجرة من مكة إلى المدينة، فأقام بها عشر سنين، ثم توفي بها، فيكون عمره ثلاثًا وستين سنة.
عن أنس رضي الله عنه قال: «آخِرُ نَظْرة نَظَرْتُها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كَشَف السِّتارة والناسُ صُفوف خَلْف أبي بكر رضي الله عنه ، فأراد أبو بكر أنْ يَرْتَدَّ، فأشار إليهم أَنِ امكثُوا وأَلْقى السِّجْفَ، وتُوفِّي مِن آخِرِ ذلك اليوم، وذلك يومَ الإثنين».
رواه النسائي, وأصله في مسلمآخر مرة نظر فيها أنس بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم كشف الستارة التي بين حجرته وبين المسجد، فرأى الناس يصلون خلف أبي بكر في صفوف، فتنبه أبو بكر لذلك وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج للصلاة، فأراد أن يتأخر ويصلي في الصف؛ ليأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي بالناس، فأشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم آمرًا لهم بأن يظلوا في أماكنهم ويتموا صلاتهم، ثم أغلق الستارة مرة أخرى، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم من آخر ذلك اليوم، وهو يوم الإثنين.
عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب: «لا يُصليَنَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة» فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يُرِدْ منَّا ذلك، فذُكِرَ للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعنف واحدًا منهم.
متفق عليهلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة الأحزاب قال لأصحابه: لا يُصَلِّينَّ أحدٌ صلاةَ العصر إلا في بني قريظة، وهم من اليهود، وقد غدروا لما جاء المشركون للمدينة وتفاجؤوا بالخندق، فوقفوا مع المشركين ظنًّا منهم أنهم سينتصرون على المسلمين، وفي طريق الذهاب حضرت صلاة العصر، فقال فريق من الصحابة: لا نصلي العصر حتى نصل إلى بني قريظة؛ لأنه ظاهر النهي النبوي، وقال فريق: بل نصلي؛ لأن مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام السرعة في الذهاب إلى بني قريظة، وعدم الانتظار، ولم يرد حقيقة عدم صلاتهم، فلما أخبروه لم يُعنِّفِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم واحدةً من الطائفتين؛ لأن المسألة محتملة للقولين جميعًا.
عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجًّا، فمررت بقوم يصلون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها، فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يَعلموها، وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم؟!
متفق عليهأخبر طارق بن عبد الرحمن البجلي الكوفي رحمه الله أنه عندما ذهب إلى الحج، مرَّ بقومٍ يصلون، فسألهم عن المسجد الذي يصلون فيه، فقالوا: هذه الشجرة التي بايع النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة تحتها بيعة الرضوان، عام الحديبية، وقد كانوا جعلوا تحتها مسجدًا يصلون فيه، فجاء طارقٌ إلى سعيد بن المسيب، عالم المدينة، فأخبره بالقوم الذين يصلون وبما قالوه، فقال سعيد: إن أبي كان ممن بايع النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، فقال المسيب والد سعيد: فلما رجع الصحابة في العام الذي يليه، وهي السنة السابعة؛ لأن البيعة كانت في السادسة، نسوا مكان الشجرة ولم يستطيعوا تذكُّر مكانها، قال سعيد: إن الصحابة لم يعلموا مكانها وأنتم علمتم مكانها، فهل أنتم أعلم من الصحابة، قالها تهكمًا وإنكارًا عليهم.
عن عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ قال: ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسُّمًا.
رواه الترمذيأخبر عبد الله بن الحارث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحك لا يزيد على التبسم، وهو الضحك بدون إصدار صوت، فهذا من هديه عليه الصلاة والسلام، والمراد وجود السبب العارض الذي يحمل على الضحك، أما البشاشة في وجوه الآخرين وعدم العبوس فقد كان من خُلقه عليه الصلاة والسلام، كما في حديث جرير: ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي. متفق عليه. وبناءً عليه فإما أن تُحمل أحاديث الضحك النبوي على مجرد التبسم، أو أن يكون المراد بهذا الحديث الأعم الأغلب من أحواله عليه الصلاة والسلام، وعلى كل حال دلت النصوص على أنه لم يكن يضحك بملء فمه ويقهقه ويبالغ في الضحك مطلقًا، عليه الصلاة والسلام.
عن عائشة رضي الله عنها: أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أَرَدْنَ أن يبعثْنَ عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نورث، ما تركنا صدقةٌ».
متفق عليهعندما توفى النبي صلى الله عليه وسلم أرادت زوجاته أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أن يُرسلن عثمان بن عفان إلى أبي بكر رضي الله عنهما، يطلبن ميراثهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، من العقار والمتاع الذي خلَّفَه، فقالت عائشة: ألم يذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن الأنبياء لا يُورثون، وما يتركونه من مال أو متاع فهو صدقة؟ وقيل: إن الحكمة في كونه لا يورث حسم المادة في تمني الوارث موت المورِّث من أجل المال، وقيل لكون النبي كالأب لأمته فيكون ميراثه للجميع، وهو معنى الصدقة العامة، ولغير ذلك من الحِكم.
عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ، مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ، قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّأْمِ إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْلَ، قَالَ: وَكَانَ دَحْيَةُ الكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، قَالَ: فَقَالَ هِرَقْلُ: هَلْ هَهُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ فَأُجْلِسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا، فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي، ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَايْمُ اللَّهِ، لَوْلاَ أَنْ يُؤْثِرُوا عَلَيَّ الكَذِبَ لَكَذَبْتُ، ثُمَّ قَالَ: لِتَرْجُمَانِهِ، سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: أَيَتَّبِعُهُ أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ لاَ بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: تَكُونُ الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هَذِهِ المُدَّةِ لاَ نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا، قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لاَ، ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ، وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ، فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ القُلُوبِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يُزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لاَ يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لاَ تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ أَحَدٌ هَذَا القَوْلَ قَبْلَهُ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ قَالَ هَذَا القَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ قُلْتُ: رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالعَفَافِ، قَالَ: إِنْ يَكُ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ، قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ، وَ:{يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّاَ نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} إِلَى قَوْلِهِ: {اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ، ارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ عِنْدَهُ وَكَثُرَ اللَّغَطُ، وَأُمِرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا، قَالَ: فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ خَرَجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ، فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلاَمَ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَدَعَا هِرَقْلُ عُظَمَاءَ الرُّومِ فَجَمَعَهُمْ فِي دَارٍ لَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الفَلاَحِ وَالرَّشَدِ آخِرَ الأَبَدِ، وَأَنْ يَثْبُتَ لَكُمْ مُلْكُكُمْ؟ قَالَ: فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِمْ، فَدَعَا بِهِمْ فَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا اخْتَبَرْتُ شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمُ الَّذِي أَحْبَبْتُ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ.
متفق عليهيروي ابن عباس رضي الله عنهما أن أبا سفيان رضي الله عنه أخبره عن ما دار بينه وبين هرقل الملقب بقيصر، عظيم الروم، وحصل ذلك قبل أن يسلم أبو سفيان، ثم حدث به ابنَ عباس بعد إسلامه، وأنه قد أخبره من فمه إلى فمه وعبر بفمه موضع أذنه؛ إشارة إلى تمكنه من الإصغاء إليه بحيث يجيبه إذا احتاج إلى الجواب، ذكر أبو سفيان أنه خرج من مكة في مدة صلح الحديبية التي كانت بين قريش والنبي صلى الله عليه وسلم على وضع الحرب عشر سنين، سنة ست من الهجرة، فبينما كان أبو سفيان بالشام وصل إلى هرقل كتابُ النبي صلى الله عليه وسلم، وكان دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه هو من جاء به من عند النبي صلى الله عليه وسلم في آخر سنة ست، فأعطاه دحية إلى عظيم أهل بُصرى: الحارث بن أبي شَمِر الغَسَّاني، وعطاه عظيم بصرى إلى هرقل، فسأل هرقل: هل يوجد أحدٌ من قوم هذا الرجل الذي يدعي أنه نبي؟ فقيل: نعم، فجاء رسول هرقل إلى أبي سفيان ومعه أناس من قريش، فطلبهم فتوجهوا معه حتى وصلوا إليه، فاستأذن لهم فأذن لهم، فدخلوا عليه وجلسوا بين يديه، فسألهم هرقل: من منكم الأقرب نسبًا من هذا الرجل الذي يدعي أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا؛ لأنهما يلتقيان في عبد مناف، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وأبو سفيان هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، واختار هرقل ذلك؛ لأن الأقرب أحرى بالاطلاع على قريبه من غيره، فأجلسوا أبا سفيان بين يدي هرقل، وأجلسوا أصحابه القرشيين خلفه، ثم أتى بمترجمه ليترجم لغته إلى العربية والعكس، وأمره أن يقول للقرشيين: إني سأسأل أبا سفيان عن هذا الرجل الذي يدعي النبوة، فإن كذب علي فأخبروني بكذبه، قال أبو سفيان: والله لولا أن يحكوا عني الكذب -وهو قبيح- لكذبت عليه، لعداوته يومئذ للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال هرقل: كيف حسبه فيكم؟ قال أبو سفيان: هو ذو حسب، فسأله: هل كان من آبائه وأجداه مَلِكٌ من الملوك؟ فأجابه: لا، فسأله: هل كنتم تتهمونه بالكذب على الناس قبل أن يدعي النبوة؟ قال أبو سفيان: لا، فسأله: هل يتبعه شرفاء الناس أم ضعفاؤهم؟ قال: ضعفاؤهم، ثم سأله هرقل: هل يزيد أتباعه أم ينقصون؟ قال سفيان: لا ينقصون، بل يزيدون، ثم سأله: هل يرجع أحد منهم عن دينه كراهة لدينه وعدم رضا؟ فأجابه أن لا، فسأله: هل قاتلتموه؟ قال أبو سفيان: نعم قاتلناه، فسأله: كيف كان قتالكم له؟ فأجابه: أن الحرب تكون نوبة له مرةً ونوبة لنا مرةً أخرى، وقد كانت المقاتلة وقعت بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم في بدر فأصاب المسلمون منهم وفي أحد فأصاب المشركون من المسلمين وفي الخندق فأصيب من الطائفتين ناس قليل، قال هرقل: هل ينقض العهد؟ قال أبو سفيان: لا ينقضه، ونحن الآن منه في مدة صلح الحديبية أو غيبته وانقطاع أخباره عنا، ولا ندري ماذا سيصنع فيها، فلم يجزم بغدره، وقال أبو سفيان: والله لم أستطع أن أُخل كلمة انتقصه بها غير هذه الكلمة، ثم سأله هرقل: هل ادعى أحد من قريش قبله مثل ادعاءه النبوة؟ فأجاب أبو سفيان أن لا، ثم قال لمن يترجم له: قل له: قد سألتك عن رتبته وحسبه فيكم، فقلت: أنه ذو حسب رفيع، وكذلك الرسل تُرسل في أرفع حسب في قومها، وسألتك: هل له من آبائه ملك من الملوك، فأجبت أن لا، فقلت: لو كان في آبائه ملك لقلت إنه يطلب ملك أبيه، وسألتك عن الذين يتبعوه: هل هم الضعفاء أم الشرفاء؟ فقلت: أن ضعفاؤهم اتبعوه، وكذلك أتباع الرسل هم الضعفاء غالبًا بخلاف أهل الاستكبار المصرين على الشقاق بغضًا وحسدًا، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يدعي النبوة؟ فذكرت أن لا، فعلمت أنه ما كان ليترك الكذب على الناس قبل أن يظهر رسالته، ثم يكذب على الله بعد إظهارها، ثم سألتك: هل يخرج أحد من اتباعه عن دينه الإسلام بعد أن يدخل فيه كراهةً له؟ فقلت: لا، وكذلك الإيمان إذا دخل القلوب وخالطها لم يخرج منها، وسألتك: هل يزيد أتباعه أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان لا يزال في زيادة حتى يتم بالفرائض والشرائع المعتبرة فيه من الصلاة وغيرها، وسألتك: هل قاتلتموه، فقلت: نعم، وتكون الحرب بينكم وبينه تنال منه وينال منكم، وكذلك يُبتلى الرسل ابتداءً، وتكون العاقبة والنصر لهم، وسألتك: هل يغدر وينقض العهد؟ فقلت: لا، وكذلك الرسل لا تغدر؛ لأنها لا تطلب حظ الدنيا الذي لا يبالي طالبه بالغدر، وسألتك: هل ادعى أحدٌ قبله النبوة؟ فأجبت أن لا، فقلت: لو ادعى أحدٌ قبله لكان يقتدي به ويفعل مثله، قال هرقل: بماذا يأمركم؟ فأجاب أبو سفيان: يأمرنا بالصلاة والزكاة وصلة الأرحام والعفاف أي الكف عن المحارم وخوارم المروءة، فذكر هرقل الأجوبة على ترتيب الأسئلة، وأجاب عن كل بما دل على ثبوت النبوة، مما رآه في كتبهم أو استقرأه من العادة. ثم قال هرقل: إن يكن ما تقوله فيه حق وصدق فإنه نبي، وكنت أعلم أنه سيبعث في هذا الزمان، ولم أكن أعتقد أنه منكم معشر قريش، ولو كنت أعلم أني أستطيع أن أصل إليه لتكلفت الوصول إليه، ولو كنت عنده لغسلتُ قدميه، قاله مبالغة في خدمته، ولسوف يصل ملكه ما تحت قدمي، أي أرض ملكه، ثم دعا هرقل بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأه بنفسه أو قرأه المترجم بأمره، فإذا مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، وهو كقول موسى وهارون لفرعون والسلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بالكلمة الداعية إلى الإسلام، وهي شهادة التوحيد، أسلم تسلم، أسلم يعطيك الله أجرك مرتين، لكونه مؤمنًا بنبيه ثم آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام أو أن إسلامه سبب لإسلام أتباعه، فإن أعرضت ولم تسلم، فإن عليك مع إثمك إثم المزارعين، نبه بهم على جميع الرعايا، و: {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، أن لا نعبد إلا الله} إلى قوله: {اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64]، والخطاب في اشهدوا للمسلمين، أي فإن تولوا عن هذه الدعوة فأشهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم، فلما انتهى هرقل من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات ممن كان عنده، ولعله بسبب ما فهموه من ميل هرقل إلى التصديق، وأمر أن يُخرج أبو سفيان ومن معه فخرجوا، قال أبو سفيان لأصحابه بعد خروجهم: لقد عظُم شأن ابن أبي كبشة، وهي كنية أبي النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاع، وإنه ليخافه ملك الروم، فما زلت مؤمنًا وموقنًا أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم سيظهر، حتى أدخل الله علي الإسلام، فأظهرت ذلك اليقين وأسلمتُ. ثم دعا هرقل عظماء الروم وجمعهم في بيت له، ثم اطلع عليهم من مكان فيه عال خوفًا على نفسه أن ينكروا مقالته فيبادروا إلى قتله ثم خاطبهم فقال: يا معشر الروم هل لكم رغبة في الفلاح والرشد إلى آخر الزمان؟ وهل لكم رغبة في أن يثبت ملككم؟ لأنه علم من الكتب أن لا أمة بعد هذه الأمة، فنفروا نفرة حمر الوحش، وذهبوا إلى الأبواب ليخرجوا منها، فوجدوها مغلقة، فقال هرقل: أحضروهم لي، فردهم فقال لهم: إني كنت اختبر شدتكم وثباتكم على دينكم بمقالتي هذه، فقد رأيت منكم الذي أحببت من تمسكم بدينكم، فسجدوا له حقيقة إذ كانت عادتهم ذلك لملوكهم، ورجعوا عما كانوا هموا به عند نفرتهم من الخروج عليه.
عَنِ الْبَرَاءِ رَضيَ اللهُ عنه قَالَ: مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَعْرُهُ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ.
متفق عليهيخبر البراء بن عازب رضي الله عنه أنه ما رأى أحدًا شَعَرُ رأسِه طويل قد وَصَل إلى منكبيه، ويلبس إزارًا ورداءً أسود وفيه خطوط حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن من صفته الخَلْقية أنه كان بعيدَ ما بين المنكبين، واسع الصدر، وكان متوسط القَامَة بين الطويل والقصير.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كَانَت يَدُ رسُولِ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- اليُمنَى لِطُهُورِهِ وطَعَامِهِ، وكَانَت اليُسْرَى لِخَلاَئِهِ، ومَا كَانَ مِنْ أَذَى". عن حفصة رضي الله عنها "أَنَّ رَسُولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- كَانَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ، وَيَجْعَلُ يَسَارَهُ لِمَا سِوَى ذَلِك".
الحديث الأول: رواه أبو داود وأحمد. الحديث الثاني: رواه أبو داود وأحمدبيَّنت عائشة رضي الله عنها ، ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل فيه اليمين، وما كان يستعمل فيه اليسار، فذكرت أن الذي يستعمل فيه اليسار ما كان فيه أذى؛ كالاستنجاء، والاستجمار، والاستنشاق، والاستنثار، وما أشبه ذلك، كل ما فيه أذى فإنه تقدم فيه اليسرى، وما سوى ذلك؛ فإنه تقدم فيه اليمنى؛ تكريمًا لها؛ لأن الأيمن أفضل من الأيسر. وهذ الحديث داخل في استحباب تقديم اليمنى فيما من شأنه التكريم فقولها -رضي الله عنها-. قولها: "لطهوره": يعني إذا تطهر يبدأ باليمين، فيبدأ بغسل اليد اليمنى قبل اليسرى، وبغسل الرجل اليمنى قبل اليسرى، وأما الأذنان فإنهما عضوٌ واحدٌ، وهما داخلان في الرأس، فيمسح بهما جميعًا إلا إذا كان لا يستطيع أن يمسح إلا بيد واحدة، فهنا يبدأ بالأذن اليمنى للضرورة. قولها: "وطَعَامِهِ": أي تناوله الطعام. "وكانت يده اليسرى لخلائه": أي لما فيه من استنجاء وتناول أحجار وإزالة أقذار. "وما كان من أذى" كتنحية بصاق ومخاط وقمل ونحوها. وحديث حفصة مؤكد لما سبق من حديث عائشة، الذي جاء في بيان استحباب البداءة باليمين فيما طريقه التكريم، وتقديم اليسار فيما طريقه الأذى والقذر؛ كالاستنجاء والاستجمار وما أشبه ذلك.