الاقسام
اكتشف مجموعتنا المتنوعة من التصنيفات التي تغطي مواضيع متعددة لتلبية اهتماماتك المختلفةبطاقات دعوية تُبرز معانٍ عظيمة لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بأسلوب يسير وعرض جذاب تعين المسلم على فهم أعمق لدينه بطريقة يسيرة
﴿ فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ ﴾
سورة الأعراف
فرمى موسى عليه السلام عصاه التي كانت بيده أمام فرعون فتحولت حية حقيقية عظيمة ظاهرة لمن يشاهدها.
﴿ وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰهُمۡ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّٰكُمۡ فِيهِ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ سَمۡعٗا وَأَبۡصَٰرٗا وَأَفۡـِٔدَةٗ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُمۡ سَمۡعُهُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُهُمۡ وَلَآ أَفۡـِٔدَتُهُم مِّن شَيۡءٍ إِذۡ كَانُواْ يَجۡحَدُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ﴾
سورة الأحقاف
ولقد يسَّرنا لقوم هود من أسباب التمكين في الدنيا والبسط فيها على نحوٍ لم نمكنكم فيه يا أهل مكة، بأن جعلناهم أشد منكم قوة، وأكثر جمعًا، وجعلنا لهم سمعًا يسمعون به، وأبصارًا يبصرون بها، وقلوبًا يعقلون بها، فلم يشكرونا على نعمنا، ولم يستعملوها في طاعتنا، فأهلكناهم، فما أغنت عنهم أسماعهم ولا أبصارهم ولا عقولهم من شيء، فلم تدفع عنهم حين نزل بهم عذابنا لما جاءهم، وهذا الهلاك والدمار الذي حاق بهم؛ بسبب أنهم كانوا يكفرون بآيات الله الدالة على وحدانيته وكمال قدرته، ونزل بهم ما كانوا يسخرون به ويستعجلونه من العذاب الذي خوفهم منه نبيهم هود عليه السلام، فاحذروا أيها المخاطبون أن تكونوا مثلهم، فيصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب في الدنيا والآخرة.
﴿ لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ وَلِيَتَمَتَّعُواْۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ﴾
سورة العنكبوت
وقد انقلبوا مشركين ليَكفروا بِما آتَيْناهُمْ من نعم، ومن نِعمه إنجاؤهم من الغرق، وليتمتعوا بمتع هذه الحياة وزينتها، فسوف يعلمون فساد عملهم وعاقبتهم السيئة عندما يموتون، ويوم القيامة عندما يعذبون.
﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗاۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ ﴾
سورة الملك
الذي خلق بطريقة متقنة محكمة سبع سماوات بعضها فوق بعض دون تماس بين كل سماء، ما ترى -أيها الناظر- في خلق الرحمن من اختلاف وعدم تناسب، فإن كنت لا تصدق ما أخبرناك به، أو في أدنى شك من ذلك، فأعد البصر في السماء وتأملها هل ترى فيها على عظمتها واتساعها من صدوع وشقوق؟
﴿ وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ﴾
سورة الأنفال
ومن يولهم منكم ظهره وقت الزحف فارًا منهم، يريد النجاة بحياته غير محتال لمكيدة الكفار، بأن يخدعهم بِّوَهم عدوه بأنه منهزم أمامه استدراجًا له، ثم يكر عليه فيقتله، أو ينحاز إلى فئة من المسلمين حاضرة للتعاون معها على القتال، حيث إنها في حاجة إليه، فينتقل من مكانه إلى مكان آخر أصلح للقتال فيه، ومن يول الكافرين يوم لقائهم دبره غير متحرف ولا متحيز فقد رجع بغضب مستحق من الله لما ارتكب من كبيرة من كبائر الذنوب، ومكَّن بفراره لأهل الكفر من أهل الإسلام، ومصيره النار، وبئس المصير مصيره.
﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ ﴾
سورة الفجر
إنَّ ربك -أيها الرسول- يرصد أعمال العباد ويحصيها عليهم، ولا يفوته شيء منها، وسيجازيهم عليها، والسعيد هو الذي يفقه هذه الحقيقة، فيؤدى ما كلفه خالقه به.
﴿ قَٰلَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ لَّوۡ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ﴾
سورة المؤمنون
فيقال لهم: ما مكثتم في الدنيا إلا وقتًا قليلًا جدًا بالنسبة إلى مكثكم في النار؛ بسبب إصراركم على كفركم في حياتكم الدنيا، كان يسهل الصبر فيه على الطاعة والبعد عن المعصية وكنتم تفوزن بالجنة، لو أنكم كنتم تعلمون قصر مدة الدنيا بالنسبة إلى طول المدة في النار.
﴿ قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ﴾
سورة آل عمران
حينئذ قال زكريا عليه السلام: يا رب اجعل لي علامة على حمل امرأتي ليحصل لي السرور والاستبشار، قال الله: علامتك التي طلبت هي: ينحبس لسانك عن الكلام فلا تستطيع التكلم مع الناس ثلاثة أيام بلياليهن ولا يمكنك التواصل معهم إلا بالإشارة، مع أنك سوي صحيح، وداوم على ذكر الله وشكره وتسبيحه آخر النهار وأوله.
﴿ وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا ﴾
سورة الإنسان
وقريبة منهم أشجارها، وأُدنيت لهم ثمارها؛ فيتناول هذه الثمار اللذيذة القائم والقاعد والمضطجع بدون جهد أو تعب.
﴿ وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ﴾
سورة النازعات
وفضل الحياة الدنيا باتباع شهواتها ومتعها الفانية على الآخرة الباقية؛ فترك الاستعداد لها بالعمل الصالح.
عن مسروق قال: سألْنا عبدَ الله عن هذه الآية: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] قال: أَمَا إنا قد سألْنا عن ذلك، فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تَسْرَح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعةً، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا».
رواه مسلم
قال مسروق: سألْنا عبد الله بن مسعود عن قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] قال: إنا قد سألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن معنى هذه الآية، فقال عليه الصلاة والسلام: جعل الله تعالى أرواحهم في أجواف طيور خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تتمتع وتتنعم بأنواع نعيم الجنة في أي مكان شاءت، ثم ترجع إلى تلك القناديل، فنظر إليهم ربهم نظرة تليق بجلاله سبحانه وتعالى وكلمهم مشافهة بغير واسطة فقال: هل تشتهون وتريدون شيئًا؟ قالوا: ماذا نشتهي ونحن تتنعم بأنواع نعيم الجنة مثلما أردنا، فسألهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنه عز وجل لن يتركهم وسيسألهم، قالوا: يا رب، نريد أن تُعيد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أنه لا يوجد لديهم حاجة مما في دار الجزاء تركهم، لأن ما سألوه من الرجوع إلى الدنيا والقتل مرة أخرى ليس مما سُئلوا عنه؛ لأنه يتعلق بدار العمل التي انقضى أجلها، ولم يكن هذا السؤال إلا إكرامًا لهم وزيادة في الإنعام؛ ليعطوا ما يشتهونه في هذا العالم لا في العالم الماضي.
عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟» قالا: الجوع يا رسول الله،، قال: «وأنا، والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا»، فقاموا معه، فأتى رجلًا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة، قالت: مرحبًا وأهلًا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين فلان؟» قالت: ذهب يستعذِبُ لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني، قال: فانطلق، فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه، وأخذ المدية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياك، والحلوب»، فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر، وعمر: «والذي نفسي بيده، لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم».
رواه مسلم
خرج النبي صلى الله عليه وسلم في يوم أو في ليلة، فوجد أبو بكر وعمر رضي الله عنهما خارجين كذلك، فقال: ما الذي أخرجكما من بيوتكما في هذه الساعة؟ قالا: أخرجنا الجوع يا رسول الله، قال: وأنا والذي نفسي بيده، أخرجني الجوع الذي أخرجكما قوموا، فقاموا معه، فجاء إلى رجل من الأنصار، فلم يكن في بيته، فلما رأته زوجته قالت: مرحبًا وأهلًا، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: أين فلان؟ قالت: ذهب ليأتينا بماء عذب، فجاء الأنصاري فرأى النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر وعمر، ثم قال: الحمد لله لا يوجد أحد اليوم له ضيوف كرامٌ أكثر من ضيوفي، فذهب فجاء بغصن من النخل فيه بسر وهو التمر قبل نضوجه، وتمر ويكون يابسًا ورطب وهو التمر الناضج، فقال الأنصاري: كلوا من هذه، وأخذ السكين ليذبح لهم، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: احذر ذبح الناقة ذات اللبن، فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن التمر وشربوا من الماء العذب، فلما شبعوا وارتووا، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيده، ليسألنكم الله عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا إليها حتى أصابكم هذا النعيم حيث أكلتم وشربتم، فزال جوعكم.
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلاَ إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ، فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: 93] الآيَةَ.
متفق عليه
قال أنس رضي الله عنه: كنت أسقي القوم الخمر في منزل أبي طلحة الأنصاري زوج أم أنس رضي الله عنهم، وذلك قبل تحريمها، وكان خمرهم يومها الفَضِيخَ، وهو شرابٌ يُتَّخذ من البُسر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم شخصًا أن ينادي: إن الخمر أصبحت حرامًا، قال أنس: فقال لي أبو طلحة: اخرج فصُبَّها واسكبها، فخرجت فصببتها، فجرت الخمر في طرق المدينة، وليس المراد كما يجري السيل، وإنما في جانب من الطريق، ثم تشربه الأرض ويَجِفُّ حالًا، فقال بعض الصحابة: قد قُتل أشخاصٌ شربوا الخمر، فأنزل الله عز وجل الآيةَ التي في سورة المائدة {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا}) الآية [المائدة: 93]، فهؤلاء لا حرج عليهم.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الْمَاعُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَارِيَةَ الدَّلْوِ وَالْقِدْرِ.
رواه أبو داود والنسائي في الكبرى
قال عبد الله بن مسعود: كنا نحسب الماعون الذي جاء ذكره في القرآن: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون:7]، الأشياء التي يحتاج الناس إلى التعاون فيها، وتبادل المنافع فيما بينهم، كإعارة الدلو الذي يستخرج به الماء من البئر، وإعارة القدر الذي يطبخ به، وغير ذلك من الأشياء التي يحتاجها الناس ثم يرجعونها، وهذا تفسير بالمثال؛ لأن ذكر الدلو والقدر مثال، وإلا فإن الأمور الأخرى التي يحتاج الناس إلى تبادلها على سبيل الإعارة فيما بينهم من الأواني وغيرها تدخل في الماعون.
لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: @{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}* [الشعراء: 214] وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: «يَا صَبَاحَاهْ»، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: «يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ»، قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا، ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ، كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
متفق عليه
لما نزلت آية: {وأنذر عشيرتك الأقربين، ورهطك منهم المخلصين} وكان قرآنًا فنسخت تلاوته، صعد النبي عليه الصلاة والسلام إلى جبل الصفا، فقال بصوت عالٍ: يا صباحاه، فسألوا: من الذي ينادي؟ قالوا: محمد واجتمعوا عليه، فقال: يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، فاجتمعوا إليه، فقال: أخبروني لو قلت لكم أن عدوًّا سيخرج من وراء هذا الجبل عليكم، هل كنتم تصدقونني؟ قالوا: ما رأينا منك كذبًا، ومراده بذلك تقريرهم بأنهم يعلمون صدقه إذا أخبر عن شيء غائب، قال: فإني أنذركم بعذاب شديد، لما كانوا عليه من الكفر، فقال أبو لهب: تبًا لك، أجمعتنا لهذا؟ ثم قام، فنزلت سورة المسد: {تبت يدا أبي لهب وقد تب}، {تبت} أي هلكت أو خسرت {يدا أبي لهب} أي نفسه، هكذا قرأ الأعمش بإضافة {وقد}، وقرأ السورة إلى أخرها. والسر في الأمر بإنذار الأقربين أنهم أولى بالاهتمام لقربهم، والحجة إذا قامت عليهم تَعَدَّت إلى غيرهم.
عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ، فَقَدِمَ بِلاَلٌ وَسَعْدٌ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى جَعَلَ الإِمَاءُ يَقُلْنَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا قَدِمَ حَتَّى قَرَأْتُ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى فِي سُوَرٍ مِنَ المُفَصَّلِ.
رواه البخاري
أخبر البراء بن عازب رضي الله عنهما أن أول من جاء إلى المدينة من المهاجرين مصعب بن عمير وابن أم مكتوم رضي الله عنهما، وكانا يُعلمون الناس القرآن، ثم جاء بلال بن رباح وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر، ثم جاء عمر بن الخطاب مع عشرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتتابع مجيء المهاجرين، ثم بعد ذلك جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يفرح أهل المدينة بشيء كفرحهم بالنبي عليه الصلاة والسلام، حتى الجاريات كنّ يقلن: جاء النبي صلى الله عليه وسلم، قال البراء: فعندما جاء عليه الصلاة والسلام قرأت سبح اسم ربك الأعلى مع سور من المفصل، مما يدل على أن سورة الأعلى نزلت بمكة.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ دَعَا القَوْمَ فَطَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، وَإِذَا هُوَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ، فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قَامَ قَامَ مَنْ قَامَ، وَقَعَدَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَدْخُلَ فَإِذَا القَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا، فَانْطَلَقْتُ فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ قَدِ انْطَلَقُوا، فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ، فَأَلْقَى الحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 53] الآيَةَ".
متفق عليه
أخبر أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب بنت جحش دعا الناس للوليمة، فأكلوا ثم جلسوا يتحدثون فأطالوا الجلوس، وكان عليه الصلاة والسلام يستعد للقيام ليفطنوا لمراده فيقوموا لقيامه، فلم يقوموا، وكان عليه الصلاة والسلام يستحي أن يقول لهم قوموا، فلما رأى ذلك قام لكي يقوموا ويخرجوا، فلما قام من قام جلس ثلاثة أشخاص لم يسموا يتحدثون في البيت، وخرج عليه الصلاة والسلام، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل على زينب فوجدهم جالسون في بيتها فرجع عليه الصلاة والسلام، وبعد أن خرجوا أخبر أنسٌ النبي صلى الله عليه وسلم بخروجهم، فجاء عليه الصلاة والسلام ودخل، وأراد أنس أن يدخل فألقى عليه الصلاة والسلام الحجاب بينه وبين أنس، فأنزل الله تعالى قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} الآية، لتبيين أن النبي عليه الصلاة والسلام يستحيي من أن يأمرهم بالخروج، ولتعلمهم أدب التعامل معه.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ المَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ لَهُمَا: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] فَحَجَجْتُ مَعَهُ، فَعَدَلَ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالْإِدَاوَةِ، فَتَبَرَّزَ حَتَّى جَاءَ، فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَنِ المَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]؟ فَقَالَ: وَاعَجَبِي لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الحَدِيثَ يَسُوقُهُ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الأَمْرِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَهُ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأَنْصَارِ إِذَا هُمْ قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأَنْصَارِ، فَصِحْتُ عَلَى امْرَأَتِي، فَرَاجَعَتْنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليُرَاجِعْنَهُ، وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ، فَأَفْزَعَنِي، فَقُلْتُ: خَابَتْ مَنْ فَعَلَ مِنْهُنَّ بِعَظِيمٍ، ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: أَيْ حَفْصَةُ أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: خَابَتْ وَخَسِرَتْ، أَفَتَأْمَنُ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَهْلِكِينَ، لاَ تَسْتَكْثِرِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلاَ تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ، وَلاَ تَهْجُرِيهِ، وَاسْأَلِينِي مَا بَدَا لَكِ، وَلاَ يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ، وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -يُرِيدُ عَائِشَةَ-، وَكُنَّا تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ النِّعَالَ لِغَزْوِنَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي يَوْمَ نَوْبَتِهِ فَرَجَعَ عِشَاءً، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَنَائِمٌ هُوَ، فَفَزِعْتُ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قَالَ: لاَ، بَلْ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَطْوَلُ طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ، قَالَ: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ، فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، فَصَلَّيْتُ صَلاَةَ الفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَخَلَ مَشْرُبَةً لَهُ، فَاعْتَزَلَ فِيهَا، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، قُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ أَوَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ، أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: لاَ أَدْرِي هُوَ ذَا فِي المَشْرُبَةِ، فَخَرَجْتُ، فَجِئْتُ المِنْبَرَ، فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ المَشْرُبَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا، فَقُلْتُ لِغُلاَمٍ لَهُ أَسْوَدَ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ، فَكَلَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ، فَانْصَرَفْتُ، حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ الغُلاَمَ فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفًا، فَإِذَا الغُلاَمُ يَدْعُونِي قَالَ: أَذِنَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ، فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: «لاَ»، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى قَوْمٍ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَذَكَرَهُ فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قُلْتُ: لَوْ رَأَيْتَنِي، وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لاَ يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ، وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -يُرِيدُ عَائِشَةَ-، فَتَبَسَّمَ أُخْرَى، فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ البَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلاَثَةٍ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ، وَأُعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: «أَوَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَغْفِرْ لِي، فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ: «مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ، حِينَ عَاتَبَهُ اللَّهُ» فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَلاَ تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّا أَصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَعُدُّهَا عَدًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»، وَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأُنْزِلَتْ: آيَةُ التَّخْيِيرِ فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ، فَقَالَ: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، وَلاَ عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»، قَالَتْ: قَدْ أَعْلَمُ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِكَ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ قَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} [الأحزاب: 28] إِلَى قَوْلِهِ {عَظِيمًا} [النساء: 27]"، قُلْتُ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ، فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ.
رواه البخاري
كان عبد الله بن عباس رضي الله عنه حريصًا على أن يسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن قول الله عز وجل: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] من هما المرأتان المقصودتان بالآية؟ وإن تتوبا أي من التعاون والتظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحج عبد الله بن عباس مع عمر بن الخطاب، فتنّحى عن الطريق المسلوكة إلى طريق لا تُسلك غالبًا ليقضي حاجته، وتنّحى عبد الله ومعه إناء صغير، فقضى عمر حاجته ثم جاء، فسَكَبَ له ابن عباس من الإناء ماءً فتوضأ، ثم سأله عن المرأتين المقصودتين في الآية، فتعجب عمر من ابن عباس كيف خفي عليه هذا الأمر مع شهرته بينهم بعلم التفسير، أو أنه تعجب من جهة حرصه على سؤاله عما لا يتنبه له إلا الحريص على العلم من تفسير ما أبهم في القرآن، ثم ذكر له أن المقصودتين بالآية هما عائشة وحفصة، و حكى عمر قصة نزول الآية، فذكر أنه كان له جارٌ من الأنصار هو أوس بن خولي بن عبد الله الأنصاري، وكانوا يسكنون في بني أمية بن زيد في القُرى التي بالقرب من المدينة، وكانا يتناوبان في النزول إلى المدينة، ويخبر بعضهم بعضًا بما نزل من الوحي وبالأحداث الكائنة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قريش لهم قوة وتحكم على نسائهم بحسب العادة والطبع، فلما جاؤوا إلى المدينة وجدوا أن نساء الأنصار يغلبن رجالهم، فليس لهم شدة وطأة عليهم، فأخذ نساء قريش يتعلمن سيرة الأنصاريات وطريقتهن في التعامل مع أزواجهن، وفي يومٍ رفع عمر صوته على زوجته، فردت عليه الجواب، فاستنكر منها ردها عليه، فقالت: مالك تستنكر ردي عليك؟ والله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليردنّ عليه الكلام، ويهجرنه طوال اليوم إلى الليل، فخاف عمر من قولها، وقال: خسرت من تفعل منهن هذا الفعل العظيم من الرد على النبي عليه الصلاة والسلام وهجرانه، فلبس ثيابه كلها، ثم ذهب إلى ابنته حفصة، وسألها: هل تُغضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم كله إلى الليل؟ قالت: نعم، قال: خابت وخسرت من تفعل ذلك منكن، وهل تأمن من تفعل ذلك أن يغضب الله عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فتهلك، ثم أمرها ألا تطلب الكثير من النبي صلى الله عليه وسلم، وألا تراجعه وترد عليه القول، وألا تهجره ولو هجرها النبي عليه الصلاة والسلام، ومتى أرادت شيئًا من الضروريات أمرها أن تسأله، وألا تغتر بكون عائشة تفعل شيئًا من الهجران والرد، فلا يؤاخذها بذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فإنها تُدِلُّ بجمالها ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم لها، فلا تغتري أنتِ بذلك لاحتمال ألا تكوني عنده في تلك المنزلة. وكنا نقول إن قبيلة غسان تُعِدُّ العُدة لتغزو المسلمين، فنزل جاره الأنصاري يوم نوبته إلى المدينة فسمع اعتزال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زوجاته، فرجع في العشاء، فضرب باب عمر ضربًا شديدًا وقال: هل هو نائم؟ فخاف عمر من شدة الضرب وخرج إليه، فقال: حدث شيءٌ عظيمٌ، قال عمر: هل جاءت غسان؟ قال: بل أعظم من ذلك، طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، ويحتمل أن يكون قد جزم بذلك لوقوع إشاعة من بعض أهل النفاق لما حصل الاعتزال، فتناقله الناس، ولم تجر عادته بالاعتزال فظنوا أنه طلقهن، فقال عمر: خابت وخسرت حفصة، وخصها بالذكر لمكانتها منه؛ لكونها ابنته، ولكونه كان قريب العهد بتحذيرها من وقوع ذلك، وقال: كنت أظن وأعتقد بقرب وقوع ذلك؛ لأن المراجعة قد تفضي إلى الغضب المفضي إلى الفرقة، فلبس عمر ثيابه وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم الفجر، ودخل عليه الصلاة والسلام غرفة اعتزل فيها نساءه، فدخل عمر على حفصة فوجدها تبكي، فقال: ما الذي يبكيك؟ ألم أكن أحذرك من أن تغاضبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تراجعيه أو تهجريه، ثم استفهمها عما سمعه من طلاق النبي عليه الصلاة والسلام لهن، فقالت: لا أعلم، ها هو في الغرفة المرتفعة، فخرج عمر من بيت حفصة، وجاء إلى المنبر فوجد جماعة حوله يبكي بعضهم، فجلس معهم قليلًا ثم غلب عليه ما يجد من شغل قلبه بما بلغه من تطليقه عليه الصلاة والسلام نساءه، ومن جملتهن بنته، وفي ذلك من المشقة ما لا يخفى، فقال لغلام النبي عليه الصلاة والسلام: استأذن لي من النبي لأدخل عليه، فدخل الغلام وخرج، فأخبره أنه ذكر له استئذانه عليه، فصمت النبي عليه الصلاة والسلام، فرجع عمر إلى المنبر وفعل مثل ذلك ثلاث مرات، فلما أراد أن ينصرف، فاجأه الغلام بأن النبي عليه الصلاة والسلام أذن له بالدخول. فدخل عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فوجده راقدًا على نسيج من حصير، ليس بينه وبين الحصير شيء، وقد أثَّر الحصير في جنبه الشريفة عليه الصلاة والسلام، وكان متكئًا على وسادة محشوة بجلد مدبوغ، فسلم عليه عمر وسأله وهو قائم: هل طلقت نساءك؟ فرفع عليه الصلاة والسلام نظره وقال: لا، فقال وهو قائم لم يجلس بعد: هل أجلس؟ وكان يتأمل هل يعود صلى الله عليه وسلم إلى الرضا أو هل أقول قولًا أطيِّب به قلبه وأسكن غضبه، وقال: لو رأيتني وكنا معشر قريش نقوى على نسائنا، فلما جئنا المدينة إذا نسائهم يَغْلِبْنهم، فذكر له ما حدث بينه وبين امرأته، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر قوله لحفصة من ألا تغتر بكون عائشة أجمل منها وأحَبَّ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فتبسم عليه الصلاة والسلام مرةً أخرى، فلما رآه عمر تبسم واستأنس جلس، ورفع بصره إلى سقف بيت النبي صلى الله عليه وسلم فما وجد غير ثلاثة جلود، فلما رأى عمر ذلك قال: ادع الله أن يوسع على أمتك، فإن فارس والروم وُسِّع عليهم، وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، وكان عليه الصلاة والسلام متكئًا فجلس وقال: أأنت في شك يا ابن الخطاب في أن التوسع في الآخرة خير من التوسع في الدنيا، إن فارس والروم قوم قُدمت لهم طيباتهم في الدنيا فلا يجدون أي نعيم في الآخرة، فقال عمر: استغفر لي يا رسول الله عن جراءتي بهذا القول في حضرتك. فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة، وهو أنه صلى الله عليه وسلم خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت حفصة بذلك فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: اكتمي علي، فأفشت حفصة إلى عائشة فغضبت عائشة حتى حلف النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقربها شهرًا، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: لن أدخل على نسائي لمدة شهر، من شدة غضبه عليهن حين عاتبه الله بقوله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك} [التحريم: 1]. والذي في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم كان يشرب عسلًا عند زينب ابنة جحش ويمكث عندها، فتواطأت عائشة وحفصة على أن أيتهما دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير، إني أجد منك ريح مغافير، أي رائحة كريهة، فقال: لا ولكني كنت أشرب عسلًا عند زينب ابنة جحش ولن أعود له، فيحتمل أن تكون الآية نزلت في الشيئين معًا، فلما مضى تسع وعشرون ليلة، دخل عليه الصلاة والسلام على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة: لقد أقسمتَ ألا تدخل علينا لمدة شهر، وقد أكملنا اليوم تسعة وعشرون يومًا، كنت أعدُّها عدًّا، فأخبرها عليه الصلاة والسلام أن هذا الشهر تسعة وعشرون يومًا، فنزلت آية التخيير، وبدأ عليه الصلاة والسلام بسؤال عائشة أولًا، فقال لها: سأذكر لكِ أمرًا، وليس عليك أن تسألي أبويك وتستشيرهم ولا تستعجلي بالرد، فقالت: إني أعلم أن أبواي لن يأمراني بفراقك، ثم قال عليه الصلاة والسلام: إن الله عز وجل قال: {يا أيها النبي قل لأزواجك} [الأحزاب: 28] إلى قوله {عظيما} [النساء: 27]، فقالت: وهل اسأل واستشير أبواي في هذا؟ واختارت الله ورسوله والدار الآخرة، ثم خيّر عليه الصلاة والسلام باقي نساءه، فقلن مثل ما قالت عائشة، واخترن الله ورسوله والدار الآخرة.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ، لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، قَالَ: فَأُذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ، فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ، وَاجِمًا سَاكِتًا، قَالَ: فَقَالَ: لَأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ، سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ، فَقُمْتُ إِلَيْهَا، فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: «هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى، يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ»، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، فَقُلْنَ: وَاللهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} [الأحزاب: 28] حَتَّى بَلَغَ {لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 29]، قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَلَّا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ»، قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَتَلَا عَلَيْهَا الْآيَةَ، قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَلَّا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ، قَالَ: «لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا».
رواه مسلم
قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه يستأذن أن يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد الناس جالسون عند بابه، لم يُسمح لأحد منهم بالدخول، فسمح لأبي بكر لمكانته بالدخول فدخل، ثم جاء عمر فطلب الدخول فسُمح له، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا وحوله نساؤه، وقد اشتد حزنه أو غضبه حتى أمسك عن الكلام، فأقسم عمر أن يقول شيئًا يُضحك به النبيَّ عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، لو رأيتَ بنتَ خارجة، سألتني زيادة النفقة، فقمت إليها فقبضت عنقها بكفي، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: ها هن أزواجي حولي كما ترى، يردن مني زيادة النفقة على المقدار المعتاد، فقام أبو بكر إلى عائشة ليقبض عنقها، وقام عمر إلى حفصة ليقبض عنقها، كلاهما يقول: هل تسألن النبي عليه الصلاة والسلام ما ليس عنده، فقلن: والله لا نسأل النبي عليه الصلاة والسلام شيئًا أبدًا ليس عنده، ثم حلف ألا يدخل عليهن شهرًا أو تسعًا وعشرين يومًا، عقوبةً لهن، ثم نزلت عليه هذه الآية: {يا أيها النبي قل لأزواجك} [الأحزاب: 28] حتى بلغ {للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا} [الأحزاب: 29]، فبدأ عليه الصلاة والسلام التخيير بعائشة رضي الله عنها، فقال: يا عائشة، إني أريد أن أعرض عليك أمرًا أحب ألا تستعجلي في الرد علي حتى تسألي أبويك، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فقرأ عليها الآية، قالت: هل فيك يا رسول الله أسأل أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأريدك ألا تخبر امرأة من نسائك بردي وجوابي عليك، وهذا قد يكون الحامل عليه الغيرة وحب الاستئثار، وهو مما تُعذر فيه عائشة رضي الله عنها، فقال عليه الصلاة والسلام: لن تسألني امرأة منهن عن جوابك إلا أخبرتها، إن الله لم يرسلني مشددًا على الناس وموقعهم في مشقة، وملزمًا إياهم ما يصعب عليهم ولا طالبًا زلتهم، ولكن أرسلني معلمًا مُسهلًا.
عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما كان عمر رضي الله عنه يُدْخِلُنِي مع أَشْيَاخِ بَدْرٍ فَكَأَنَّ بَعْضَهُم وَجَدَ في نفسه، فقال: لم يُدْخِلُ هذا معنا ولنا أبناءٌ مثله؟! فقال عمر: إنه من حَيْثُ عَلِمْتُمْ! فدعاني ذاتَ يومٍ فأَدَخَلَنِي مَعَهُمْ فما رأيتُ أنه دعاني يَوْمَئِذٍ إلا لِيُرِيَهُم، قال: ما تقولون في قول الله:(إذا جاء نصر الله والفتح)، [الفتح: 1]، فقال بعضهم: أَمَرَنَا نَحْمَدُ اللهَ ونَسْتَغْفِرُهُ إذا نصرنا وفَتَحَ علينا، وسكتَ بعضُهُم فَلَمْ يَقُلْ شيئًا، فقال لي: أكذلك تقولُ يا ابنَ عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أَجَلُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَهُ له، قال: "إذا جاء نصر الله والفتح" وذلك علامةُ أجلِكَ، "فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا" فقال عمر رضي الله عنه : مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إلَّا مَا تَقُولُ.
رواه البخاري
كان من هدي عمر رضي الله عنه أنه يشاور الناس ذوي الرأي فيما يُشكِلُ عليه، وكان يُدخل مع أشياخ بدر وكبار الصحابة عبد الله بن عباس وكان صغير السن بالنسبة لهؤلاء، فغضبوا من ذلك، كيف يُدخل ابن عباس رضي الله عنهما ولا يُدخل أبناؤهم، فأراد عمرُ أن يريهم مكانة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما من العلم والذكاء والفطنة، فجمعهم ودعاه، فعرض عليهم هذه السورة: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}، فانقسموا إلى قسمين لما سألهم عنها ما تقولون فيها؟ قسمٌ سكت، وقسمٌ قال: إن الله أمرنا إذا جاء النصر والفتح، أن نستغفر لذنوبنا، وأن نحمده ونسبح بحمده؛ ولكن عمر رضي الله عنه أراد أن يعرف ما مغزى هذه السورة، ولم يرد أن يعرف معناها من حيث الألفاظ والكلمات. فسأل ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما تقول في هذه السورة؟ قال: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعني علامة قرب أجله، أعطاه الله آية: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} يعني فتح مكة، فإن ذلك علامة أجلك؛ {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} فقال: ما أعلم فيها إلا ما علمت. وظهر بذلك فضل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما .
لأن الحب والرضا والنية كلها من أعمال القلب، ويبقى عمل الجارح المتمثل في موافقة العمل للشرع تطبيقاً عملياً) قبول الأعمال عند الله مرتبط بمدى صلاح النية، وموافقة العمل لهدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فبهما يقبل العمل، وبدونهما يُرَدُّ على صاحبه.
هدايات لشرح رياض الصالحين
العِبرة في الحب والرضا علىٰ الأعمال الصالحة، والنيات الصادقة، فهما ميزان قَبول العبد عند ربه، فرُبّ عمل صغير تكثره النية، ورُبَّ عمل كثير تصغره النية.
هدايات لشرح رياض الصالحين
من دلائل توفيق الله للعبد: سعيه في إصلاح نيته، وتطهير قلبه بصالح الأعمال.
هدايات لشرح رياض الصالحين
سبيل الله واحد، وسبل الشيطان كثيرة، والمهتدي من هداه الله تعالىٰ لسلوك سبيله. كما قال سبحانه: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦ} [الأنعام: 153]
هدايات لشرح رياض الصالحين
العبد في خير ما انتظر الخير.
هدايات لشرح رياض الصالحين
إن النية الصالحة توصل صاحبها إلىٰ الخير.
هدايات لشرح رياض الصالحين
من رحمة الله تعالىٰ أن يجازي العاصي بعدله، والطائع بفضله وكرمه
هدايات لشرح رياض الصالحين
(الإخلاص من أسباب تفريج الكربات؛ لأن كل واحد منهم يقول ) : اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه
هدايات لشرح رياض الصالحين
الأعمال الصالحات سبب لتفريج الكربات
هدايات لشرح رياض الصالحين