الاقسام
اكتشف مجموعتنا المتنوعة من التصنيفات التي تغطي مواضيع متعددة لتلبية اهتماماتك المختلفةبطاقات دعوية تُبرز معانٍ عظيمة لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بأسلوب يسير وعرض جذاب تعين المسلم على فهم أعمق لدينه بطريقة يسيرة
﴿ فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ﴾
سورة يونس
فلما ألقوا حبالهم وعصيهم قال لهم موسى عليه السلام: أيها السحرة إن الذي جئتم به وألقيتموه من سحركم هو السحر بعينه، إن الله سيذهب ما جئتم به من السحر وسيبطله فيصير عديم الأثر، إنكم بسحركم مفسدون في الأرض، وقد جرت سنة الله أنه لا يصلح عمل المفسدين أينما كانوا.
﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْۗ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَفۡقَهُونَ ﴾
سورة المنافقون
هؤلاء المنافقون هم الذين يقولون لأصحابهم من الأنصار: لا تنفقوا على فقراء المهاجرين ولا تقدموا لأحد منهم عونًا أو مساعدة، حتى يتفرقوا عن محمد ﷺ، ولله وحده خزائن السماوات والأرض يرزق منها من يشاء ويمنع رزقه عمن يشاء، ولكن المنافقين لا يعلمون أن خزائن الرزق بيد الله تبارك وتعالى وحده؛ لجهلهم بقدرة الله، ولاستيلاء الضلال والجحود على نفوسهم.
﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ﴾
سورة البقرة
ولما جاء القرآن المنزل من عند الله الموافق لما في التوراة من وجوب إفراد الله بالعبادة والإيمان برسله وشرعه، ووصل إلى اليهود وتيقنوا من صدق محمد ﷺ، وقد كانوا قبل بعثته إذا أصابهم ضرر من المشركين أو نِزاع توعدوهم بقرب خروجه واستنصروا به وأنهم سيقاتلونهم معه، فلما بعث النبيُّ ﷺ الذي يعرفون وصفه وصدقه كفروا به حسدًا وحرصًا على الزعامة، فاستحقوا الطرد من رحمة الله بسبب جحدهم الحق الذي يعرفونه.
﴿ وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا ﴾
سورة الفرقان
ولقد كان المكذبون من قومك يمرون في أسفارهم في ذهابهم إلى الشام على قرى قوم لوط، وهي: قرى سدوم وعمورية التي أُمطر أهلها بحجارة من السماء مهلكة عقابًا لهم على فعل فاحشة إتيان الذكران، أفلا يعتبر المكذبون من قومك برؤية هذه القرية وكانوا يرون ما حل بها من خراب؟ لكنهم لم يعتبروا بما شاهدوا من الآيات، لأنهم لكفرهم بك كانوا لا يتوقعون بعثًا يوم القيامة يحاسبون فيه ويجازون على أعمالهم، فلذلك استمروا على عنادهم، وسيندمون يوم القيامة على كفرهم ولكن لن ينفعهم الندم.
﴿ قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ﴾
سورة طه
قال موسى عليه السلام معتذرًا لربه بقوله: إنهم خلفي وسوف يلحقون بي بعد زمن قليل، وسبقتُ قومي إليك طلبًا لقربك وشوقًا إلى لقائك ومسارعة في زيادة رضاك عني.
﴿ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُوَ يُدۡعَىٰٓ إِلَى ٱلۡإِسۡلَٰمِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾
سورة الصف
ولا أحد أشد ظلمًا من إنسان يختلق الكذب من عند نفسه على دين الله تبارك وتعالى وشريعته، فينسب له الشريك والولد، ويجعل له شركاء يعبدهم من دونه، وهذا الإنسان يدعوه الداعي إلى الدخول في الإسلام، وإخلاص العبادة لله وحده، والله لا يوفق القوم الظالمين لأنفسهم بالكفر والشرك إلى ما فيه فلاحهم؛ لسوء استعدادهم، وإيثارهم الباطل على الحق.
﴿ لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ﴾
سورة التوبة
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المنافقين المستهزئين بما يجب احترامه وتوقيره: لا تعتذروا بهذه الأعذار الكاذبة فإنها غير مقبولة، فلا ينفعكم اعتذاركم؛ لأنكم بهذا الاستهزاء قد ظهر كفركم وثبت بعد إظهاركم الإيمان على سبيل المخادعة، فإذا كنا نعاملكم معاملة المسلمين بمقتضى نطقكم بالشهادتين فالآن نعاملكم معاملة الكافرين بسبب استهزائكم، إن يتجاوز الله ويعف عن فريق منكم لتركه النفاق وتوبته منه واستغفاره وندمه، يعذب جماعة أخرى بسبب إصرارهم على النفاق والفسوق والعصيان وعدم توبتهم.
﴿ فَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوّٞ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ ﴾
سورة طه
فقلنا: يا آدم إن إبليس عدو لك ولزوجتك، فاحذرا منه ولا تطيعاه فيخرجك أنت وزوجتك من الجنة فيترتب على ذلك تعبك وتحملك المشاق والمكاره في الحصول على مطالب حياتك إذا خرجت منها.
﴿ رَبِّ نَجِّنِي وَأَهۡلِي مِمَّا يَعۡمَلُونَ ﴾
سورة الشعراء
ثم دعا لوط عليه السلام ربه قائلًا: ربِّ أنقذني وأنقذ أهلي مما يعمله هؤلاء مِن هذه المعصية القبيحة المُنكَرة التي لم يسبقهم إليها أحد، ومِن عقوبتك التي ستصيبهم بها بسبب ما يفعلونه.
﴿ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ﴾
سورة عبس
فمن أراد أن يتعظ بالقرآن وما فيه من الآيات؛ حصل له الاتعاظ فعمل به.
عن أبي يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: سمعتُ أبا هريرة يقرأ هذه الآية {إنَّ اللهَ يأمركم أن تؤدُّوا الأماناتِ إلى أهلها} [النساء: 58] إلى قوله تعالى {سميعًا بصيرًا} [النساء: 58] قال: «رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يضع إبهامَه على أُذُنِه، والتي تليها على عينِه»، قال أبو هريرة: «رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ويضعُ إصبعيه».
رواه أبو داود
كان أبو هريرة رضي الله عنه يقرأ هذه الآية: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] إلى قوله تعالى {سميعًا بصيرًا} [النساء: 58]، ويذكر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ويضع إصبعه الغليظة الخامسة على أذنه، والتي بجوارها على عينه، تأكيدًا لإثبات صفة السمع والبصر لله تعالى ، ودفعًا لتأويلات المحرفين، وليس فيه تشبيهًا بالمخلوق؛ لقوله تعالى : (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فالإيمان بالنصوص كلها يقتضي ما ذكر.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم بأم إسماعيل وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت، عند دَوْحَة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هناك، ووضع عندهما جِرَابًا فيه تمر، وسِقاء فيه ماء، ثم قَفَّى إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مِرارا، وجعل لا يلتفت إليها، قالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذا لا يُضَيِّعُنَا؛ ثم رجعت، فانطلق إبراهيم صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان عند الثَّنِيَّة حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدَّعَوَات، فرفع يديه فقال: {رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذِي زَرْعٍ} حتى بلغ {يشكرون} [إبراهيم: 37]. وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السِّقَاء عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال يَتَلَبَّطُ- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا. فَهَبَطَتْ من الصفا حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طَرَفَ دِرْعِهَا، ثم سعَت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، فنظرت هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلذلك سعى الناس بينهما»، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا، فقالت: صَهْ -تريد نفسها- ثم تَسَمَّعَتْ، فسمعت أيضا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غَوَاث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه -أو قال بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تُحَوِّضُهُ وتقول بيدها هكذا، وجعلت تَغْرِفُ من الماء في سِقائها وهو يفور بعد ما تَغْرِفُ. وفي رواية: بقدر ما تَغْرِفُ. قال ابن عباس رضي الله عنهما : قال النبي صلى الله عليه وسلم : «رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال لو لم تَغْرِفُ من الماء - لكانت زمزم عَيْنًا مَعِينًا» قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضَّيْعَةَ فإن هاهنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كَالرَّابِيَةِ، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُم، أو أهل بيت من جُرْهُم مقبلين من طريق كَدَاءَ، فنزلوا في أسفل مكة؛ فرأوا طائرا عائِفًا، فقالوا: إنّ هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْن، فإذا هم بالماء. فرجعوا فأخبروهم؛ فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم : «فَألْفَى ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الأنس» فنزلوا، فأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم، حتى إذا كانوا بها أهل أبيات، وشَبَّ الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شَبَّ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم: وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل؛ فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا - وفي رواية: يصيد لنا - ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة؛ وشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك اقرئي عليه السلام، وقولي له يغير عَتَبَةَ بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، فسألني: كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جَهْد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عَتَبَةَ بابك، قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك! الْحَقِي بأهلك. فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسأل عنه. قالت: خرج يبتغي لنا قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسَعَة، وأثنت على الله. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي - صلى الله عليه وسلم: ولم يكن لهم يومئذ حَبّ، ولو كان لهم دعا لهم فيه، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. وفي رواية: فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد؛ فقالت امرأته: ألا تنزل، فتطعم وتشرب؟ قال: وما طعامكم وما شرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم وشرابنا الماء، قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم. قال: فقال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم: بركة دعوة إبراهيم. قال: فإذا جاء زوجك فَاقْرَئِي عليه السلام مُرِيِهِ يُثَبِّتُ عَتَبَةَ بابه. فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تُثَبِّتَ عَتَبَةَ بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العَتَبة، أمرني أن أُمْسِكَك. ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يَبْرِي نَبْلًا له تحت دَوْحَةٍ قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد. قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك؟ قال: وَتُعِينُنِي، قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتا هاهنا، وأشار إلى أكَمَة مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: {ربنا تَقَبَّلْ منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127]. وفي رواية: إن إبراهيم خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، معهم شَنَّةٌ فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشَّنَّة فَيَدِرُّ لبنها على صبيها، حتى قدم مكة، فوضعها تحت دَوْحَة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل حتى لما بلغوا كَدَاءَ نادته من ورائه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله، قالت: رضيتُ بالله، فرجعتْ وجعلتْ تشرب من الشَّنَّة ويدر لبنها على صبيها، حتى لما فني الماء قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا. قال: فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت هل تحس أحدا، فلم تحس أحدا، فلما بلغت الوادي سعت، وأتت المروة، وفعلت ذلك أشواطا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل الصبي، فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله، كأنه يَنْشَغُ للموت، فلم تُقِرَّهَا نفسها فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا، فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت فلم تحس أحدا، حتى أتمت سبعا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت، فقالت: أَغِثْ إنْ كان عندك خير، فإذا جبريل فقال بِعقِبِهِ هكذا، وغمز بِعقِبِهِ على الأرض، فانبثق الماء فدهشت أم إسماعيل، فجعلت تَحْفِنُ ... وذكر الحديث بطوله".
رواه البخاري
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم بأم إسماعيل هاجر القبطية -التي وهبها ملك مصر لزوجته سارة- وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند الكعبة، عند شجرة كبيرة ثابتة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد من الإِنس، وليس بها ماء فوضعهما هناك، ووضع عندهما وعاء من جلد فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم ولّى منطلقًا إلى الشام، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء مما يؤكل ويشرب؟ فقالت له ذلك مرارًا، ولا يلتفت إليها، وانصرف إلى طريقه، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت: إذًا لا يضيعنا. ثم رجعت إلى ابنها؛ فانطلق إبراهيم صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان عند الثَّنِيَّة عند الحجون حيث لا يرونه استقبل بوجهه موضع البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه فقال: (رب إني أسكنت من ذريتي) بعضهم (بواد غير ذي زرع) وهو مكة، وكونها كذلك ليتم التفرغ فيها للعبادة، (عند بيتك المحرم) الذي حرم عنده الصيد وقطع الشجر والمقاتلة (ربنا ليقيموا الصلاة) بمكة (فاجعل أفئدة من الناس) أي: قلوبهم (تهوي) أي: تسرع (إليهم) شوقاً (وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) نعمتك، وقد استجاب الله دعاءه. وجعلت أم إسماعيل ترضعه، وتشرب من ذلك الماء، وتأكل من ذلك الثمر؛ حتى إذا نفد وانتهى ما في السقاء من الماء؛ عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو يتمرّغ ويضرب بنفسه الأرض فانطلقت كراهية أن تنظر إليه وهو كذلك، فوجدت الصفا أقرب جبل إليها في الأرض؛ فقامت عليه، ثم استقبلت مكة تنظر هل ترى أحداً؟ فلما بلغت الوادي المسيل وفيه انخفاض امتنع به رؤيتها لولدها فخافت عليه فأسرعت وسعت سعي الذي أصابته المشقة، وأتت المروة أي: بعد تركها السعي وعودها لعادتها قبل وصولها الوادي، فنظرت هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس رضي الله عنهما : قال النبي صلى الله عليه وسلم : «فلذلك سعى الناس بينهما»، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت لنفسها: اسكتي، تريد من نفسها الإنصات، ثم تسمَّعت فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت فاغثني. فإذا هي بالملك جبريل عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أي مؤخر قدمه، -أو قال بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تجعله مثل الحوض، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو ينبع بشدة بعد ما تغرف -وفي رواية: بقدر ما تغرف- قال ابن عباس رضي الله عنهما : قال النبي صلى الله عليه وسلم : رحم الله أم إسماعيل لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا. يعني جاريًا على ظاهر الأرض. قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الهلاك؛ فإن هاهنا بيتًا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان موضع البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وعن شماله؛ فلا تغرقه السيول، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من قبيلة جُرْهم، مقبلين من طريق كَدَاء، فنزلوا في أسفل مكة؛ فرأوا طائرًا يحوم في الجو، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء؛ فأرسلوا رسولًا أو رسولين يستطلعان، فإذا هم بالماء فرجعا فأخبروهم فأقبلوا، وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لاحق لكم في الماء. أي: بل الحق فيه مختص بي، فإن شئت منحت وإن شئت منعت. قالوا: نعم، فوافق ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الأنس وتكره الوحشة. فنزلوا فأرسلوا إلى أهليهم فجاءوا فنزلوا معهم؛ حتى اجتمعوا وكثروا وشبّ إسماعيل، وتعلم العربية منهم، و كثرت رغبتهم فيه، وأعجبهم حتى كبر ونشأ، فلما بلغ الحُلم زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يتفقد حال ما تركه؛ فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه أين هو؟ فقالت: خرج يطلب لنا رزقًا بالصيد، ثم سألها عن عيشهم من الطعام والشراب وعن حالتهم؟ فقالت: نحن بِشرٍّ، وفي ضيق من المعاش وشدة منه، وشكت إليه. فلما رأى مزيد التبرم وشدة الضجر مما ابتلاها الله تعالى به زيادة في الدرجات خشي أن يسري حالها إلى ولده فيقع في مثل حالها فأمره بفراقها، فقال إبراهيم: فإذا جاء زوجك أبلغيه سلامي، وقولي له يغير عتبة بابه. كناية عن طلاق امرأته؛ لأن المرأة تلازم البيت كملازمة العتبة للبيت، فلما جاء إسماعيل من صيده كأنه أحس شيئاً؛ فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ موصوف بكذا؛ فسألنا عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا في مشقة وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك غير عتبة بابك. قال: ذاكِ أبي وقد أمرني بتغيير عتبة الباب: أن أفارقك، الحقي بأهلك. وهو من كنايات الطلاق، لكنه صرح به بقوله فطلقها، وتزوج منهم امرأة أخرى. فلبث إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد ذلك فلم يجد إسماعيل؛ فدخل على امرأته؛ فسأل عنه. قالت: خرج يبتغي لنا -وفي رواية فقالت امرأته: ألا تنزل فتطعم وتشرب- قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وحالهم فقالت: نحن بخير وسَعة. وحمدت الله تعالى . فقال: ما طعامكم؟ قالت اللحم. قال: فما شرابكم. قالت: ماء زمزم أوهو وغيره من باقي المياه كماء مطر. فقال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن لهم يومئذ أي نوع من الحبوب، ولو كان لهم دعا لهم فيه؛ لتعمه البركة بدعائه. قال ابن عباس رضي الله عنه : فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه مزاجه، ويشتكي من بطنه. قال إبراهيم: فإذا جاء زوجك من الصيد، فاقرئي عليه السلام، ومُرِيه يثبِّت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل من الصيد كأنه أحس شيئاً -كما جاء في رواية وجد ريح أبيه- فقال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه ذاكرة بعض أوصاف كماله، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا بخير. قال: فأوصاكِ بشيء؟ قالت: نعم، يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أديم عصمتك. ثم لبث إبراهيم عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يصلح سهما قبل أن يُركِّب فيه نصله وهو تحت شجرة بقرب زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد من العناق والمصافحة. قال إبراهيم: يا إسماعيل إن الله تعالى أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله تعالى أمرني أن أبني بيتًا ها هنا، وأشار بقوله ها هنا إلى تل، وقيل شرفة مرتفعة على ما حولها من الأرض، وكانت السيول لا تعلوها، فعند ذلك رفع إبراهيم الأساس من البيت، ورفع البناء عليها، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم على المقام ينزل منه لأخذ الحجر من إسماعيل، ثم يعلو به فيضعه محله من البناء، حتى إذا ارتفع البناء جاء بحجر المقام؛ فلما بلغ الموضع الذي فيه الركن وضعه يومئذ موضعه، وأخذ المقام فجعله لاصقاً بالبيت، كان يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان (ربنا تقبل منا) بناء البيت (إنك أنت السميع) لدعائنا (العليم) ببناء البيت. وفي قوله (تعلم العربية) دليل قوي على قدم اللغة العربية، وأنها قبل إبراهيم -عليه السلام- لكن إسماعيل أول من نطق باللغة العربية المبينة، كما في الحديث "أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة". رواه الشيرازي في الألقاب وصححه الشيخ الألباني.
عن أبي سليمان خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: لقد انقطعت في يدي يوم مُؤْتَةَ تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صَفِيحَةٌ يمانية.
رواه البخاري
خالد بن الوليد رضي الله عنه سيف الله، وفارس الإسلام، وليث المشاهد، وقائد المجاهدين، كان من أشراف قريش في الجاهلية، أسلم قبل فتح مكة، وكان في غزوة أحد في جيش قريش المشركين ثم أسلم، وفي هذا دليل على كمال قدرة الله عز وجل ؛ وأنه بيده أَزِمَّة الأمور، وأنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وهو يخبر عن تكسر الأسياف التسعة في يده في مؤتة، في السنة الثامنة من الهجرة، وهذا من شجاعته رضي الله عنه ، ولم يصمد معه إلا سيف عريض من سيوف اليمن.
عن أبي مسعود البَدْري رضي الله عنه قال: كنت أضرب غُلاما لي بالسَّوْط، فسمعت صوتا من خَلفِي: «اعلم أبَا مسعود» فلم أفْهَم الصَّوت من الغَضَب، فلمَّا دَنَا مِنِّي إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يقول: «اعلم أبَا مسعود أن الله أقْدَرُ عليك مِنْك على هذا الغُلام». فقلت: لا أَضرب مملوكا بعده أبدًا. وفي رواية: فسقط السَّوط من يَدي من هَيْبَتِه. وفي رواية: فقلت: يا رسول الله، هو حُرٌّ لوجه الله تعالى، فقال: «أمَا لو لم تفعل، لَلَفَحَتْكَ النَّار، أو لَمَسَّتْكَ النَّار».
رواه مسلم بالروايات المذكورة
كان أبو مسعود رضي الله عنه يَضرب غلامه بالسَّوط، فسمع صوتا يَزجره عن خلفه، فلم يُمَيِّز صوت القائل، فلما اقترب منه علم أنه صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو يذكره بقدرة الله عز وجل بقوله: «اعلم أبَا مسعود أن الله أقْدَرُ عليك مِنْك على هذا الغُلام». فلما سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وتحذيره من التعدي على الضعيف، سقط السَّوط من يده هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتزم للنبي صلى الله عليه وسلم أن لا يَتعدى على مملوك بعد هذا أبدا. وبعد أن سمع ما سمعه من النبي -صلى الله عليه و سلم- من زجر وتحذير، ما كان منه رضي الله عنه إلا أن أعتقه كفارة عن ضرب، فقال صلى الله عليه وسلم : لو لم تعتقه لأصابتك النار يوم القيامة لسوء فعلتك.
عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثا، ثم أتاهم، فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم» ثم قال: «ادعوا لي بني أخي» فجيء بنا كأننا أفْرُخٌ فقال: «ادعوا لي الحلاق» فأمره، فحلق رؤوسنا».
رواه أبو داود والنسائي الكبرى وأحمد
معنى الحديث: أنه عندما استشهد جعفر بن أبي طالب في غزوة مؤتة، أمهل النبي صلى الله عليه وسلم أهله ثلاثا من أجل أن تَطيب نَفوسهم ويذهب ما في نفوسهم من الحزن والأسى، ثم قال لهم: "لا تَبْكُوا على أَخِي بعد اليوم" أي نهاهم عن البكاء بعد ثلاثة أيام؛ لأن الصدمة الأولى وزمن الحزن لا يطول ولا يستمر. والنهي هنا: للتنزيه لإباحة البكاء بعد ثلاثة أيام ما لم يقترن به محرم. ثم قال: «ادعوا لي بَنِي أخِي» وهم محمد وعبد الله وعوف أولاد جعفر، قال عبد الله: "فجيء بِنَا كأننا أفْرُخٌ" الفَرَخ ولد الطائر، وذلك لما أصابهم من الحزن على فقد والدهم. قال: "ادعوا لي الحلَّاق. فأمره، فَحَلَق رؤوسنا" أي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بحلق رؤوسهم فحُلقت، لما رأى من اشتغال أمهم أسماء بنت عميس رضي الله عنها عن ترجيل شعورهم بما أصابها من قتل زوجها في سبيل الله فأشفق عليهم من الوَسَخ والقمل، فإذا أزيل صار في ذلك فائدة ومصلحة وراحة لأمهم التي جاءها ما يشغلها عن العناية بشعر أولادها. تنبيه: معلوم أن الحلق عند المصيبة لا يجوز، وقد جاء في الحديث: (لعن الرسول صلى الله عليه وسلم الصَّالقة والحَالقة والشَّاقة). والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة: التي تشق ثوبها عند المصيبة، والصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحلق لأولاد جعفر ليس اعتراضا على موته، ولكن المقصود من هذا الحَلق لأولاد جعفر بعد موته -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- هو كون أمهم كانت منشغلة عن العناية برؤوسهم، فخشي أن يُصيبهم شيء من القَمْل فأمر بحلق رءوسهم -صلوات الله وسلامه وبركاته عليه-، ولم يكن الحلق تأثرًا بالمصيبة.
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: أُغْمِي على عبد الله بن رواحة رضي الله عنه فجعلت أُخْتُه تبكي، وتقول: واجَبَلاهُ، واكذا، واكذا: تُعَدِّدُ عليه. فقال حين أفَاق: ما قُلْتِ شيئا إلا قِيل لي أنت كذلك؟
رواه البخاري
أخبر النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه أصيب بمرض وأغمي عليه بسبب شِدَّة المرض، فلما رأته أخته رضي الله عنها على تلك الحال ظنت أنه قد مات، فجعلت تبكي وتندب وتقول واجَبَلاهُ" أي أنه- رضي الله عنه- كان لها كالجبل تأوي إليه عند طروق الحوادث فتعتصم به، ومستندًا تستند إليه في أمورها و تذكره بمحاسنه وشمائله على طريقة أهل الجاهلية، فلما أفاق من غيبوبته أخبرها عما حصل له، وأنه قيل له: أأنت جبل يلجؤون إليك، أأنت كذا وكذا كما يصفونك، فكل ما عددته من صفات أُخبر بها رضي الله عنه في غيبوبته، وذلك على سبيل التَّهكم، والوعيد الشديد، وجاء في رواية أنه لما مات لم تندبه واتعظت بذلك.
عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ذات يوم في خطبته: «ألَا إن ربي أمرني أن أُعَلِّمَكم ما جَهِلتم، ممَّا علَّمني يومي هذا، كلُّ مالٍ نَحَلتُه عبدًا حلال، وإني خلقتُ عبادي حُنَفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يُشركوا بي ما لم أُنزِّل به سلطانا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض، فمَقَتهم عربهم وعَجَمهم، إلَّا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتُك لأبتليَك وأبتلي بك، وأنزلتُ عليك كتابًا لا يغسله الماءُ، تقرؤه نائمًا ويقظان، وإنَّ اللهَ أمرني أن أحرِق قُرَيشًا، فقلت: رب إذا يَثْلُغوا رأسي فيدعوه خُبْزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نُغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك مَن عصاك، قال: وأهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مُقْسِط مُتَصَدِّق مُوَفَّق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفِّف ذو عيال، قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْر له، الذين هم فيكم تبعا لا يبتغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفى له طمع، وإن دقَّ إلا خانه، ورجل لا يُصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك «وذكر» البخل أو الكذب والشِّنظير الفحَّاش».
رواه مسلم
خطب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم في أصحابه فأخبرهم أن الله أمره أن يعلمهم ما جهلوه، مما علمه ربه في ذلك اليوم، فكان مما علمه ربه قوله: «كلُّ مالٍ نَحَلتُه عبدًا حلال» أي: قال الله تعالى كل مال أعطيته عبدًا من عبادي فهو له حلال، والمراد إنكار ما حرَّموا على أنفسهم من بعض أنواع البهائم وأنها لم تصر حراما بتحريمهم، وكل مال ملكه العبد فهو له حلال حتى يتعلق به حق أو يرد عليه دليل خاص يخرجه من هذا العموم. ثم قال تعالى: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم» أي: خلقت العباد مسلمين كلهم، وقيل: طاهرين من المعاصي، وقيل: مستقيمين منيبين لقبول الهداية، وقيل: المراد حين أخذ عليهم العهد في الذر، وقال ألست بربكم قالوا بلى. قوله تعالى: «وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحَرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يُشركوا بي ما لم أُنزِّل به سلطانا» أي: جاءتهم الشياطين فاستخفوهم فذهبوا بهم وأزالوهم عما كانوا عليه إلى الباطل، وحرمت عليهم ما أحل الله لهم، وأمرتهم بالإشراك بالله بعبادة ما لم يأمر الله بعبادتهم، ولم ينصب دليلا على استحقاقه للعبادة. قوله صلى الله عليه وسلم: «وإن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» أي نظر الله تعالى إلى أهل الأرض قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدهم متفقين على الشرك والضلال، فأبغضهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وهم الباقون على التمسك بدينهم الحق من غير تبديل، والأغلب من أهل الكتاب على التحريف، قوله سبحانه وتعالى: «إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك» معناه: إني قد أرسلتك إلى الناس لأمتحنك بما يظهر منك من قيامك بما أمرتك به من تبليغ الرسالة، وغير ذلك من الجهاد في الله حق جهاده، والصبر في الله تعالى وغير ذلك، وأمتحن بك مَن أرسلتك إليهم، فمنهم من يُظهر إيمانه ويخلص في طاعاته، ومنهم من يتخلف ويظهر العداوة والكفر، ومنهم من ينافق، والمراد أن يمتحنه ليصير ذلك واقعا بارزا فإن الله تعالى إنما يعاقب العباد على ما وقع منهم لاعلى ما يعلمه قبل وقوعه، وإلا فهو سبحانه عالم بجميع الأشياء قبل وقوعها. «وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء» معناه: أنزلت عليك القرآن، وهو محفوظ فى الصدور، لا يتطرق إليه الذهاب، بل يبقى على مر الأزمان. قوله تعالى: «تقرأه نائما ويقظان» معناه: يكون محفوظا لك فى حالتي النوم واليقظة، وقيل: تقرأه في يسر وسهولة. قوله صلى الله عليه وسلم : «وإنَّ اللهَ أمرني أن أحرِق قُرَيشًا» أي: أمرني اللهُ أن أُهلك وأقتل كفار قريش «فقلت: رب إذا يَثْلُغوا رأسي فيدعوه خُبْزة» أي: يشدخوا رأسي ويشجوه كما يُشدخ الخبز، أي: يُكسَر. «قال: استخرجهم كما استخرجوك» أي: قال الله لنبيه -صلى الله تعالى عليه وسلم-: استخرج كفار قريش كإخراجهم إياك جزاء وفاقا، وإن كان بين الإخراجين بون بيِّن، فإن إخراجهم إياه بالباطل، وإخراجه إياهم بالحق «واغزهم نُغزك» أي: وجاهدهم، نعينك وننصرك عليهم «وأنفق فسننفق عليك» أي: أنفق ما في جهدك في سبيل الله فسنخلف عليك بدله في الدنيا والأخرة، «وابعث جيشا نبعث خمسة مثله» أي: إذا أرسلت جيشا لقتال الكفار، فسنرسل خمسة أمثاله من الملائكة تعين المسلمين كما فعل ببدر، «وقاتل بمن أطاعك من عصاك» أي: قاتل بمن أطاعك من المسلمين من عصاك من الكافرين. «قال: وأهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مُقْسِط مُتَصَدِّق مُوَفَّق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفِّف ذو عيال» أي: أهل الجنة ثلاثة أصناف: رجل صاحب حكم وقهر وغلبة، وهو مع ذلك يعدل بين الناس ولا يظلمهم ويحسن إليهم، قد هُيِّئ له أسباب الخير، وفُتح له أبواب البر. ورجل رحيم على الصغير والكبير رقيق القلب لكل من له قرابة خصوصا، ولكل مسلم عموما. ورجل صاحب عيال عفيف مجتنب الحرام، متعفف عن سؤال الناس، متوكل على الله في أمره وأمر عياله، فلا يحمله حب العيال ولا خوف رزقهم على ترك التوكل بسؤال الخلق، وتحصيل المال الحرام والاشتغال بهم عن العلم والعمل الواجب عليه. «وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْر له، الذين هم فيكم تبعا لا يبتغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفى له طمع، وإن دقَّ إلا خانه، ورجل لا يُصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك وذكر البخل أو الكذب والشِّنظير الفحَّاش» أي: أهل النار خمسة أصناف: أولهم: «الضعيف الذى لازبر له» أي: الضعيف الذي لا عقل له يزجره ويمنعه مما لا ينبغى «الذين هم فيكم تبعا لا يبتغون أهلا ولا مالا» أي: الخدم الذين لا يطلبون زوجة، فأعرضوا عن الحلال وارتكبوا الحرام، ولا يطلبون مالا حلالا من طريق الكد والكسب الطيب، والثاني: «والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه» أي: لا يخفى عليه شيء مما يمكن أن يطمع فيه بحيث لا يكاد أن يُدرك، إلا وهو يسعى في التفحص عنه، والتطلع عليه حتى يجده فيخونه، وهذا هو المبالغة في الوصف بالخيانة. والثالث: هو المخادع. والرابع: هو الكذاب أو البخيل. والخامس: هو الشنظير وهو الفحاش سيء الخلق.
عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يدعو: «ربِّ أَعِنِّي ولا تُعِن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، واهدني ويسِّر هُدايَ إليَّ، وانصرني على مَن بغى عليَّ، اللهم اجعلني لك شاكرًا، لك ذاكرًا، لك راهبًا، لك مِطواعًا، إليك مُخْبِتًا، أو مُنِيبا، رب تقبَّل توبتي، واغسل حَوْبتي، وأجب دعوتي، وثبِّت حُجَّتي، واهدِ قلبي، وسدِّد لساني، واسْلُلْ سَخِيمةَ قلبي».
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: «ربِّ أَعِنِّي» أي: وفقني لذكرك وشكرك وحسن عبادتك، «ولا تُعِن عليَّ» أي: لا تُغَلِّب عليَّ مَن يمنعني من طاعتك من شياطين الإنس والجن، «وانصرني ولا تنصر عليَّ» أي: انصرني على الكفار ولا تجعلهم ينتصرون عليَّ، أو انصرني على نفسي فإنها أعدى أعدائي ولا تنصر النفس الأمارة بالسوء عليَّ بأن أتبع الهوى وأترك الهدى، «وامكر لي ولا تمكر عليَّ» أي: امكر بأعدائي الماكرين وأوقع بهم من حيث لا يشعرون، ولا تفعل ذلك بي، والمكر من صفات الله تعالى الفعلية، ولكنه لا يوصف بها على سبيل الإطلاق، إنما يوصف بها حين تكون مدحا، مثل مكره بالكافرين وبمن يمكر بالمؤمنين ونحو ذلك، ولا يصح نفي صفة المكر عن الله تعالى؛ لأنه سبحانه أثبتها لنفسه، فنثبتها له تعالى على الوجه اللائق به سبحانه. «واهدني ويسِّر هُدايَ إليَّ» أي: دلني على الخيرات وسهل اتباع الهداية أو طرق الدلالة لي حتى لا أستثقل الطاعة ولا أنشغل عن العبادة، «وانصرني على مَن بغى عليَّ» أي: وانصرني على من ظلمني وتعدى عليَّ. «اللهم اجعلني لك شاكرًا»أي: على النعماء «لك ذاكرا» في جميع الأوقات «لك راهبا» أي خائفا في السراء والضراء «لك مِطواعا» أي: كثير الطوع وهو الانقياد والطاعة «إليك مخبتا» أي: خاضعا خاشعا. متواضعا «منيبا» أي: راجعًا إليك تائبًا، فالتوبة رجوع من المعصية إلى الطاعة. «رب تقبل توبتي» أي: اجعلها صحيحة بشرائطها واستجماع آدابها فإنها لا تتخلف عن القبول «واغسل حَوبتي» أي: امحُ ذنبي «وأجب دعوتي» أي: دعائي، «وثبِّت حُجَّتي» أي: على أعدائك في الدنيا، أو ثبِّت قولي وتصديقي في الدنيا وعند جواب الملكين، «واهد قلبي وسدِّد لساني» أي: صوِّب وقوِّم لساني حتى لا ينطق إلا بالصدق ولا يتكلم إلا بالحق، «واسلُل سَخِيمةَ قلبي» أي: أخرج غشه وغله وحقده وحسده ونحوها، مما ينشأ من الصدر ويسكن في القلب من مساوئ الأخلاق.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خلق خَلْقَه في ظُلْمة، فألقى عليهم من نوره، فمَن أصابه مِن ذلك النور اهتدى، ومَن أخطأه ضلَّ»، فلذلك أقول: جَفَّ القلم على علم الله.
رواه الترمذي وأحمد
هذا الحديث يبيِّن أن الله عز وجل خلق الخلق في ظلمة، وألقى عليهم شيئاً من نوره، فمن أصابه شيء من ذلك النور اهتدى إلى طريق الجنة، ومن أخطأه ذلك النور وجاوزه ولم يصل إليه ضل وخرج عن طريق الحق؛ لأن الاهتداء والضلال قد جاء موافقًا لعلم الله، وما حَكَم به في الأزل، لا يتغير ولا يتبدل، وجفاف القلم عبارة عنه.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «رأيتُ جِبريلَ على سِدْرة المُنْتَهى، وله ستُّ مائة جَناح» قال: سألتُ عاصمًا، عن الأجنحة؟ فأبى أن يخبرني، قال: فأخبرني بعض أصحابه: «أنَّ الجَناح ما بين المشرق والمغرب».
رواه أحمد
رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل في أعلى الجنة وله ستُّ مائة جَناح، فسأل الراوي عاصمَ بن أبي بهدلة عن هيئة هذه الأجنحة؟ فلم يخبره، فأخبره بعض أصحابه أن كل جناح من كبره وعظمته يسد ما بين المشرق والمغرب، وهذا جاء في أحاديث صحيحة أخرى: (سادا عظم خلقه ما بين المشرق والمغرب).
كل الكمال والخير في اتباع منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، علماً وعملاً.
هدايات لشرح رياض الصالحين