الاقسام
اكتشف مجموعتنا المتنوعة من التصنيفات التي تغطي مواضيع متعددة لتلبية اهتماماتك المختلفةبطاقات دعوية تُبرز معانٍ عظيمة لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بأسلوب يسير وعرض جذاب تعين المسلم على فهم أعمق لدينه بطريقة يسيرة
﴿ مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ ﴾
سورة المؤمنون
تفعلون ذلك مستكبرين على الناس بغير حق؛ بسبب ما تزعمونه من أنكم أهل بيت الله الحرام، ولستم أهله، فأهله هم المتقون، وتتسامرون حوله بالسيء من القول فتستهزئون بالقرآن، وبالرسول ﷺ، وبتعاليم الإسلام، وتنطقون بالقول الباطل.
﴿ أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ﴾
سورة البقرة
مرَّ عزير -رجل من بني إسرائيل- على قرية من أرض بيت المقدس بعد تخريب بختنصر الملك الظالم لها، -فذكر الله قصته وفيها دليل على إفراد الله بالخلق والإماتة والإحياء والتدبير-، فقال الله: هل رأيت -أيها النبي- مثل الذي مر على قرية وقد سقطت سقوفها وتهدمت جدرانها وهلك أهلها فقال عزير: كيف يعيد الله هذه القرية للحياةِ بعد موتها؟ فأراه الله آية في نفسه وطعامه وشرابه وحماره، إذ أماته مائة عام ثم أحياه وقال له: كم مكثت في نومك؟ فأجاب: مكثت مدة يوم أو بعض يوم، -لأنه نام أول النهار فقبض وأحياه الله عند الغروب فظن أنه نام كل اليوم أو بعضه- قال الله له: بل مكثت ميتًا مائة عام، فانظر وتأمل فيما كان معك من الطعام والشراب لم يتغير ويفسد مع طول المدة بل بقي على حاله مع أن الطعام والشراب من أسرع الأشياء فسادًا، وانظر وتأمل في حمارك كيف هو؟ فرآه ميتًا تمزق لحمه وتفرقت أجزاؤه وانتشرت عِظامه، فشاهد كيف نحييه لك وأنت تنظر؟ ولنجعلك علامة ظاهرة على قدرة الله على البعث بعد الموت فتكون مثالًا مشاهدًا ليعلم الناس صحة ما أخبرت به رسلهم، وانظر إلى عِظام حمارك كيف ندخل بعضها في بعض فيتركب كل عظم في مكانه، ثم نكسو العظام بعد ذلك لحمًا، ثم ننفخ فيه الروح، فلما اتضح له عيانًا حقيقة الأمر وعلم قدرة الله في إحياء الموتى، قال: أعلم علمَ مشاهدةٍ وطمأنينة قلب أن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.
﴿ ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ﴾
سورة المجادلة
أخشيتم -أيها المؤمنون- الفقر إذا قدمتم الصدقة قبل مناجاتكم الرسول وواظبتم على ذلك، فإذ لم تفعلوا ما أُمرتم به من تقديم الصدقة قبل مناجاتكم للرسول ﷺ، وتاب الله عليكم بأن رخص لكم في ترك الصدقة، وخفف عنكم ما كان قد كلفكم به، فاثبتوا على إقام الصلاة، وإعطاء الزكاة لمستحقيها، وطاعة الله ورسوله ﷺ في كل ما أمركم به أو نهاكم عنه، والله خبير لا يخفى عليه شيء من أقوالكم أو أفعالكم، وسيجازيكم عليها.
﴿ فَجَآءَتۡهُ إِحۡدَىٰهُمَا تَمۡشِي عَلَى ٱسۡتِحۡيَآءٖ قَالَتۡ إِنَّ أَبِي يَدۡعُوكَ لِيَجۡزِيَكَ أَجۡرَ مَا سَقَيۡتَ لَنَاۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيۡهِ ٱلۡقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾
سورة القصص
فلما ذهبتا المرأتان إلى أبيهما في زمن أقل مما كانتا ترجعان فيه أخبرتا أباهما بما حدث، فأرسل إحداهما إلى موسى تدعوه إلى مقابلة أبيها، فجاءته تسير إليه في حياء، قالت: إن أبي يدعوك أن تأتيه ليعطيك أجر ما سَقيت لنا غنمنا، فمضى موسى معها إلى أبيها للقائه، فلما جاء أباها وأخبره بخبره مع فرعون وقومه من قتله القبطي، ومن هروبه إلى أرض مدين، قال له أبوها مطمئنًا له: لا تَخَفْ فقد أنجاك الله من القوم الظالمين فرعون وقومه، فهم لا سلطان لهم بأرض مدين، ولا يستطيعون الوصول إليك بأي أذى.
﴿ هَٰذَا فَلۡيَذُوقُوهُ حَمِيمٞ وَغَسَّاقٞ ﴾
سورة ص
من هذا العذاب: أنهم يشربون الماء شديد الحرارة يشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم، ويشربون الصديد السائل من أجساد أصحاب النار، وهو لا يروي من العطش.
﴿ مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا ﴾
سورة الكهف
ليس عند هؤلاء المفترين على الله شيء من العلم أو دليل على ما يدعونه من نسبة الولد إلى الله، كما لم يكن لآبائهم الذين قلدوهم في ذلك علم، كبرت في القبح والشناعة واشتدت عقوبتها، هذه المقالة التي تخرج من أفواههم بدون تعقل، ما يقولون إلا قولًا كَاذبًا ليس عليه دليل.
﴿ ۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ﴾
سورة الأنعام
هذه الآية من أعظم الآيات لبيان علم الله المحيط بكل الموجودات، وأنه شامل لكل الغيوب، فذكر الله أن عنده خزائن الغيب، لا يحيط بها غيرُه، وتشمل: علم الساعة، وعلم إنزال الغيث، وعلم ما في الأرحام، وعلم أرزاق العباد في الحاضر والمستقبل، وعلم متى تموت كل نفس، وأين تموت، وعلم الله ليس مقصورًا على المغيبات، وإنما هو يشملها كما يشمل المشاهدات، فيعلم سبحانه كل ما في البر من مخلوقات، ويعلم ما في البحار من كائنات على اختلاف أجناسها، وما تسقط من ورقة من شجرة في أي مكان إلا يعلمها، ولا حبة مخبوءة في باطن الأرض، ولا رطب، ولا جاف من الثمار أو غيرها إلا ويعلمه الله علمًا شاملًا، وهو مثبت بكل تفاصيله في كتاب واضح، وهو اللوح المحفوظ.
﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ﴾
سورة الكهف
ودخل صاحب الجنتين حديقته في صحبة المؤمن ليريه إياها، وهو ظالم لنفسه بالكفر بالبعث ومعجب بما أوتى مفتخر به، معرض بذلك نفسه لسخط الله، فأعجبته ثمار حديقته، فقال: ما أعتقد أن تهلك هذه الحديقة التي تشاهدها، ستبقى مدى الحياة.
﴿ ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ﴾
سورة الروم
الله وحده هو المتفرد بإنشاء المخلوقات كلها على غير مثال سابق، وهو القادر وحده على إعادتها إلى الحياة مرة أخرى يوم القيامة، ثم إليه وَحده يَرجع جميع الخلق للحساب والجزاء، فيجازي كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب.
﴿ ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعۡدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُۖ لَهُمۡ فِيهَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ﴾
سورة فصلت
ذلك الجزاء الذي يُجزى به أعداء الله الذين كفروا بالله وكذبوا رسله وحاربوا أولياءه هو النار، لهم في تلك النار الإقامة الدائمة لا يخرجون منها أبدًا ولا يخفف عنهم العذاب ساعة؛ جزاء على إنكارهم لآيات الله وحججه الدالة على وحدانيته وعلى صدق رسله، وعدم إيمانهم بها مع وضوحها وقوة حجتها.
عن عائشة وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يُلَقِّحون، فقال: «لو لم تفعلوا لصَلُح» قال: فخرج شيصًا، فمر بهم فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم».
رواه مسلم
مَرَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بقوم مِن الأنصار وهم يَأْبُرون النَّخلَ، فقال لهم: لو لم تُؤَبِّروه لكان صالحًا، أي: أنّه يُثْمِر ثمرًا طيِّبًا دون تلقيح، قال أنس رضي الله عنه: فخرج الثَّمر تمرًا رَدِيئًا، فمَرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بهؤلاء القوم الذين تركوا التلقيح عملًا بإشارته صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصَّلاة والسّلام: أيّ شيءٍ حصل لِنَخْلِكم؟ حيث خرج ثمره رَديئًا، ولم يخرج ثمرًا طيِّبًا، قالوا: قلت كذا وكذا، إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم السابق: (لو لم تفعلوا لصلح)، فقال صلى الله عليه وسلم عندئذٍ: أنتم أعلم بأمر دُنياكم، أي: بالأمور التي وكَلَها الشّرعُ إلى التجربة والخبرة، ولم يأت فيها أمرٌ أو نهيٌ، وكأنَّه قال: وأنا أعلم بأمر دِينكم، فإنَّ الأنبياء والرسل إنما بعثوا لإنقاذ الخلائق مِن الشقاوة الأخروية، وفوزهم بالسَّعادة الأبديَّة، فما ليس فيه تحريم شرعيّ وهو مُتعلِّق بالدّنيا فهو مباح.
عَنْ أَبِي بَكَرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللهَ سَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ".
رواه أحمد
قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله سينصر هذا الإسلام بأناس لا نصيب لهم من الدين ولا صفات لهم محمودة، كالعالم الذي لم يعمل بعلمه مطلقًا فهو يقرر الأحكام وينتفع به الناس ولا ينفع نفسه؛ أو لكونه قصد الرياسة مثلًا، وأنت ترى أن هناك من يسلم بسبب شخصٍ نقد الإسلام أو تكلم فيه، فهذا من نصرة الله لهذا الدين بمن لا حظ ولا نصيب له عند الله.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجَدْرِ أَمِنَ البيتِ هو؟ قال: «نعم» قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: «إن قومك قَصُرَتْ بهم النفقة» قلت: فما شأن بابه مرتفعًا؟ قال: «فعل ذلك قومك، ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم، أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض».
رواه البخاري
سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن الجدر -وهو المسمى بالحِجر، ومن أسمائه الحطيم- هل هو من البيت؟ فأخبرها أنه منه لما في قاعدته من أصول حائط الكعبة، فتعجبت عن عدم إدخاله في البيت، فقال عليه الصلاة والسلام: إن قريشًا نقصت بهم النفقة الطيبة التي أخرجوها لبناء البيت، فلم يتسعوا لإتمامه لقلة ذات يدهم، فسألت عائشة عن سبب ارتفاع باب البيت، فأخبرها أن قريشًا جعلوا الباب مرتفعًا ليدخلوا من أرادوا ويمنعوا الدخول من أرادوا، وأخبرها عليه الصلاة والسلام أنه لولا أن قريشًا قريبٌ عهدهم بالجاهلية ويخاف أن ينكروا عليه لأدخل الجدر في البيت وألصق بابه بالأرض فلا يكون مرتفعًا.
عَن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، قَالَ: حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَإِذَا فِي المَجْلِسِ أَخْلاَطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَاليَهُودِ وَالمُسْلِمِينَ، وَفِي المَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لاَ تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا. فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَيُّهَا المَرْءُ، إِنَّهُ لاَ أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ، إِنْ كَانَ حَقًّا فَلاَ تُؤْذِنَا بِهِ فِي مَجْلِسِنَا، ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ، فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاغْشَنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ. فَاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَاليَهُودُ، حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَنُوا، ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَابَّتَهُ فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ -يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ- قَالَ: كَذَا وَكَذَا"، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ عَنْهُ، فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ، لَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُوهُ بِالعِصَابَةِ، فَلَمَّا أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ بِالحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ. فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ، وَأَهْلِ الكِتَابِ، كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} [آل عمران: 186] الآيَةَ، وَقَالَ اللَّهُ: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَوَّلُ العَفْوَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا، فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ صَنَادِيدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الأَوْثَانِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ. فَبَايَعُوا الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الإِسْلاَمِ فَأَسْلَمُوا.
متفق عليه
ركب النبي صلى الله عليه وسلم على حمار به كساء غليظ منسوب إلى بلد فدك، وأركَب أسامة بن زيد خلفه، ليزور سعد بن عبادة في منازل قومه بني الحارث بن الخزرج وكان مريضًا، وكان ذلك قبل غزوة بدر، فمر بمجلس فيه عبدالله بن أبي ابن سلول قبل أن يظهر الإسلام، وهو حينئذٍ كافرٌ ظاهرًا وباطنًا، وكان بالمجلس أنواع من المسلمين والمشركين الذين يعبدون الأوثان واليهود، وكان في المجلس عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، فغطى المجلس غبار دابة النبي صلى الله عليه وسلم، فغطى عبد الله بن أبي أنفه بملابسه وقال: لا تثيروا الغبار علينا، فسلم النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ناويًا المسلمين، أو أن هذا التسليم كان قبل النهي عن بدء الكفار بالسلام، ثم وقف فنزل عن الدابة، فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي للنبي صلى الله عليه وسلم: يا أيها الشخص، إنه لا شيء أحسن مما تقول، فإن كان ما تقوله حق فلا تزعجنا به في مجالسنا، ارجع إلى منزلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فأخبرنا به في مجالسنا فإننا نحب ذلك، فتشاجر المسلمون والمشركون واليهود الموجودون في ذلك المجلس حتى قاربوا أن يثور بعضهم على بعض فيقتتلوا، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يُسكِّنهم حتى سكنوا، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته، فمشى حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا سعد، هل سمعت ما قال أبو حباب؟ يقصد عبدالله بن أبي، قال كذا وكذا، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله، اعف عنه واصفح عنه، فو الله الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق والوحي الذي أنزل عليك، ولقد اتفق أهل المدينة على أن يتوِّجوه بتاج الملك ويُعمِّمونه بعمامة الملوك، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله حسدك بذلك الحق الذي أعطاك الله، والذي اجتمع عليهأهل المدينة وائتلفوا، فذلك الحق الذي أتيت به فعل به ما رأيت من فعله وقوله القبيح، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى، قال الله عز وجل: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} [آل عمران: 186] الآية، وقال الله: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} [البقرة: 109]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل العفو كما أمره الله به، حتى أذن الله له فيهم بالقتال فترك العفو عنهم بالنسبة للقتال وإلا فكم عفا عن كثير من اليهود والمشركين بالمن والفداء وغير ذلك، فلما غزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بدر فقتل الله به سادات كفار قريش قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد ظهر وجهه، فبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام فأسلموا ظاهرًا.
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» قَالَ: «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ}»، [العلق: 2] فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي» فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى، ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟»، قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ.
متفق عليه
قالت عائشة رضي الله عنها: أول ما ابتدأ بالنبي صلى الله عليه وسلم من الوحي إليه كانت الرؤيا الصالحة التي يراها في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل ضياء الصبح في وضوحها ووقوعها، وإنما ابتدأ عليه الصلاة والسلام بالرؤيا لئلا يفاجئه الملك ويأتيه بصريح النبوة بغتة فلا تحتمل القوى البشرية ذلك، فبدأ بأوائل خصال النبوة، وحُبِّبت إليه الخلوة، وكان عليه الصلاة والسلام يختلي بغار حِرَاء، فيتعبد فيه الليالي ذوات العدد، ليس ليلةً ولا ليلتين، وذلك قبل أن يرجع إلى أهله،إلى خديجة رضي الله عنها، وكان يتخذ الزاد للخلوة وللتعبد، ويتعاهد مثل هذه الليالي، وتخصيص خديجة بالذكر بعد أن عبر بالأهل يحتمل أنه تفسير بعد الإبهام، أو إشارة إلى اختصاص التزود بكونه من عندها دون غيرها، حتى جاءه الوحي وهو في غار حراء، بجبلٍ بمكة، فجاءه جبريل يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان وهو ابن أربعين سنة، فقال له جبريل: اقرأ، قال عليه الصلاة والسلام: لا أحسن القراءة، قال عليه الصلاة والسلام: فأخذني جبريل فضَمَّني وعصرني حتى بلغ غايةَ وُسْعِي، ثم أطلقني، فقال جبريل: اقرأ، فقلت: لا أحسن القراءة، فأخذني فضمني وعصرني للمرة الثانية حتى بلغ غاية وسعي، ثم أطلقني، فقال: اقرأ، فقلت: لا أحسن القراءة، فأخذني فضمني وعصرني للمرة الثالثة حتى بلغ غاية وسعي، ثم أطلقني، فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم} فرجع النبي صلى الله عليه وسلم بالآيات يخفق ويضطرب قلبه؛ لما فاجأه من الأمر المخالف للعادة والمألوف، فدخل عليه الصلاة والسلام على خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضي الله عنها، فقال عليه الصلاة والسلام: غطوني غطوني، فغطوه حتى ذهب عنه الفزع، فأخبر خديجة وأعلمها بما وقع له فقال: لقد خفتُ على نفسي الموت من شدة الرعب، فقالت خديجة: كلا لا تقل ذلك، و لا خوف عليك، والله ما يفضحك الله أبدًا؛ لأنك صاحبُ معروفٍ، إنك تصل القرابة، وتتحمل ثقل كل ما يُتكلَّف، وتعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، وتُكرم الضيف، فتهيء طعامه ونزله، وتُعين على الحوادث والمصائب، وهذه تجمع ما سبق وغيره، فذهبت به خديجة رضي الله عنها حتى أوصلته إلى وَرَقَةَ بنَ نَوْفَل بن أسد بن عبد العزى، ابن عمها، وكان ورقة قد دخل دين النصرانية في الجاهلية، وكان يكتب الكتابة العبرانية، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية الذي شاء الله كتابته، وكان شيخًا كبيرًا أصابه العمى، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فسأله ورقة: يا ابن أخي ما الذي تراه؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، والمراد به جبريل عليه الصلاة والسلام، يا ليتني عند ظهور نبوتك كنت شابًّا حتى أقوى على المبالغة في نصرتك، ليتني أكون حيًّا حين يخرجك قومك من مكة، فقال عليه الصلاة والسلام: وهل سيخرجونني؟ قال: نعم، لم يأت رجل أبدًا بمثل ما جئت به من الوحي إلا أُوذي؛ لأن الإخراج عن المألوف موجِبٌ لذلك، ولأن الأنبياء يُبتلون لكمال إيمانهم، وإن أُدرك يوم انتشار نبوتك لأنصرك نصرًا قويًّا بليغًا، وهذا ظاهره أنه أقر بنبوته، ولكنه مات قبل الدعوة إلى الإسلام، ثم لم يلبث ورقة أن توفي، فلم تتأخر وفاته عن هذه القصة، ثم توقف نزول الوحي فترةً.
«بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: 2] إِلَى [ص:8] قَوْلِهِ {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5]. فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ».
متفق عليه
قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يُحدّث عن احتباس الوحي عن النزول في أول البعثة بمكة: بينما كنت أمشي وفي أثناء ذلك فاجأني سماع صوت من السماء، فرفعت بصري، فرأيت المَلَك الذي جاءني في حراء، وهو جالس على كرسي بين السماء والأرض، ففَزِعت منه، فرجعت إلى أهلي بسبب الرعب، فقلت لهم: لُفُّوني بالثوب، فأنزل الله تعالى قوله: {يا أيها المدثر } إيناسًا له وتلطفًا، والتدثير والتزميل بمعنى واحد، والمعنى يا أيها المتغطي بثيابه، {قم فأنذر} أي حذر من العذاب من لم يؤمن بك، وفيه دلالة على أنه أمر بالإنذار عقب نزول الوحي للإتيان بفاء التعقيب، إلى قوله: {والرجز} أي الأوثان {فاهجر} فاتركها، فبعد نزول هذه الآية كثر نزول الوحي واستمر في النزول.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: «بَيْنَمَا أَنَا فِي الحَطِيمِ -وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الحِجْرِ- مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ، فَقَدَّ -قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَشَقَّ- مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ -فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مِنْ قَصِّهِ إِلَى شِعْرَتِهِ- فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ إِيمَانًا، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ ثُمَّ أُعِيدَ، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ البَغْلِ، وَفَوْقَ الحِمَارِ أَبْيَضَ، -فَقَالَ لَهُ الجَارُودُ: هُوَ البُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ أَنَسٌ: نَعَمْ- يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَفَتَحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا فِيهَا آدَمُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلاَمَ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَفَتَحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا الخَالَةِ، قَالَ: هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا، ثُمَّ قَالاَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ، قَالَ: هَذَا يُوسُفُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أَوَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِلَى إِدْرِيسَ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي، حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الخَامِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ، قَالَ: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا مُوسَى، قَالَ: هَذَا مُوسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ بَكَى، قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي لِأَنَّ غُلاَمًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي، ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلاَمَ، قَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ رُفِعَتْ إِلَيَّ سِدْرَةُ المُنْتَهَى، فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلاَلِ هَجَرَ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الفِيَلَةِ، قَالَ: هَذِهِ سِدْرَةُ المُنْتَهَى، وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: أَمَّا البَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالفُرَاتُ، ثُمَّ رُفِعَ لِي البَيْتُ المَعْمُورُ، ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَقَالَ: هِيَ الفِطْرَةُ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قَالَ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ، قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي».
متفق عليه
أخبر أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم عن الليلة التي أسري فيها فقال: بينما أنا في الحَطِيم، وربما قال: في الحِجْر بدل الحطيم، أي في البيت راقدًا، إذ جاءني جبريل عليه السلام، قال قتادة: وسمعت أنس يقول: فشقَّ ما بين هذه إلى هذه، فقلت للجارود بن سبرة البصري التابعي صاحب أنس رضي الله عنه وهو بجانبي: ماذا يعني أنس بقوله ما بين هذه إلى هذه؟ قال: يعني به من الموضع المنخفض بين الترقوتين إلى عانته أو منبت شعرها، قال قتادة: وسمعت أنسًا رضي الله عنه يقول أيضًا: شق من رأس صدره إلى عانته، فأخرج قلبي وجيء بقِدْرٍ من ذَهَبٍ، وكان القدر مملوءً بالإيمان ملأً حقيقيًّا، فغسل جبريل قلبي ثم ملأه إيمانًا وحكمةً، ثم أرجعه مكانه، ثم جيء لي بدابة أصغر من البغل وأكبر من الحمار، بيضاء اللون، فقال الجارود بن أبي سبرة لأنس: هذا هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم هو، يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره، فركبت عليه، قال عليه الصلاة والسلام: فطلب جبريل فتح السماء الدنيا فسأله خازنها: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وهل أرسل إليه للعروج به؟ قال: نعم أرسل إليه، قيل: مرحبا به، فنعم المجيء الذي جاء، ونعم كلمة ثناء ومدح، ففتح الباب، فلما وصلت السماء الأولى وجدت فيها آدم، فقال لي جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه فردَّ عليَّ السلام، ثم قال لي آدم: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد جبريل حتى جاء إلى السماء الثانية فطلب جبريل فَتْحَ بابِها، فسأله خازنها: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وهل أرسل إليه للعروج به؟ قال: نعم أرسل إليه، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء الذي جاء، ففتح الباب، فلما وصلت وجدت فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم وهما ابنا الخالة، قال جبريل عليه السلام لي: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت عليهما فردا علي السلام، ثم قالا لي: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد جبريل إلى السماء الثالثة، فطلب جبريل فتح بابها، فسأله خازنها: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وهل أرسل إليه للعروج به؟ قال: نعم أرسل إليه، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء الذي جاء، ففتح الباب، فلما وصلت وجدت فيها يوسف، قال لي جبريل: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه فردَّ عليَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي جبريل حتى جاء إلى السماء الرابعة، فطلب جبريل فتح بابها، فسأله خازنها: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وهل أرسل إليه للعروج به؟ قال: نعم أرسل إليه، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء الذي جاء، ففتح الباب، فلما وصلت وجدت فيها إدريس، قال لي جبريل: هذا إدريس فسلِّم عليه، فسلَّمتُ عليه، فردَّ عليَّ السلام ثم قال لي: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد جبريل بي حتى أتى السماء الخامسة، فطلب جبريل فتح بابها، فسأله خازنها: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وهل أرسل إليه للعروج به؟ قال: نعم أرسل إليه، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء الذي جاء، ففتح الباب، فلما وصلت وجدت فيها هارون، قال لي جبريل: هذا هارون، فسلِّم عليه، فسلَّمتُ عليه، فردَّ السلام عليَّ، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي جبريل حتى أتى السماء السادسة، فطلب جبريل فتح بابها، فسأله خازنها: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وهل أرسل إليه للعروج به؟ قال: نعم أرسل إليه، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء الذي جاء، ففتح الباب، فلما وصلت وجدت فيها موسى، قال لي جبريل: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه فردَّ عليَّ السلام، ثم قال لي: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تركتُ موسى وصعدت بكى، قيل له: لماذا تبكي؟ قال: أبكي لأن غلامًا بعثه الله بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي بني إسرائيل، وليس بكاؤه حسدًا حاشاه الله، بل أسفًا وحزنًا على ما فاته من الأجر المترتب عليه رفع درجته، وقوله: غلام مراده به أنه صغير السن بالنسبة إليه، وقد أنعم الله عليه بما لم ينعم به عليه مع طول عمره، قال عليه الصلاة والسلام: ثم صعد بي جبريل إلى السماء السابعة، فطلب جبريل فتح بابها، فسأله خازنها: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وهل أرسل إليه للعروج به؟ قال: نعم أرسل إليه، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء الذي جاء، ففتح الباب، فلما وصلت وجدت فيها إبراهيم، قال لي جبريل: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم كُشفت لي سِدْرة المُنْتهى، أي التي ينتهي إليها ما يَعرج من الأرض فيقبض منها، فإذا ثمرها في الكِبَر، كالجِرَار التي تصنع في بلدة هَجْر، وكانت معروفة عند المخاطبين، فلذا وقع التمثيل بها، وورق السدرة في كبرها مثل آذان الفيلة، قال لي جبريل: هذه سدرة المنتهى، ورأيت أربعة أنهار تخرج من أصلها، نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران يجريان في الجنة، وأما الظاهران فهما النيل نهر مصر، والفرات نهر بغداد، ثم كُشف لي البيت المعمور فرأيته، ثم جيء لي بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فاخترت اللبن فشربت منه، فقال لي جبريل: هذه هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك، ثم كُتبت علي الصلوات خمسون صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بماذا أُمرت؟ قلت له: أمرت بخمسين صلاة كل يوم وليلة، قال موسى عليه السلام: إن أمتك لن تستطيع أن تصلي خمسين صلاة كل يوم وليلة، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وجادلت بني إسرائيل أشد المجادلة، ليمتثلوا الأوامر الشرعية، ولقيتُ منهم الشدة فيما أردت منهم من الطاعة، فارجع إلى ربك فاطلب منه التخفيف لأمتك، فقال عليه الصلاة والسلام: فرجعت إلى ربي فخفف عني عشرًا من الخمسين، فرجعت إلى موسى فأخبرته، فقال مثل ما قال، فرجعت فخفف عني عشرًا من الأربعين، فرجعت إلى موسى فأخبرته فقال مثل ما قال، فرجعت فخفف عني عشرًا من الثلاثين، فرجعت إلى موسى فأخبرته، فقال مثل قوله، فرجعت فأُمرت بعشر صلوات كل يوم وليلة، فرجعت إلى موسى فأخبرته، فقال مثل قوله، فرجعت فأُمرت بخمس صلوات كل يوم وليلة، فرجعت إلى موسى فقال: بماذا أُمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وجادلت بني إسرائيل أشد المجادلة، فارجع إلى ربك فاطلب منه أن يخفف عن أمتك من هذه الخمس، قال عليه الصلاة والسلام: فقلت له: سألت ربي حتى استحييت منه، ولكني أرضى بما كتبه ربي وأسلم، فلما مررت جاء النداء من الله تعالى: أنفذت فريضتي بخمس صلوات وخففت عن عبادي من خمسين إلى خمس صلوات.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ، فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ»، قَالَ: «فَرَفَعَهُ اللهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ -يَعْنِي نَفْسَهُ-، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ».
رواه مسلم
قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت نفسي في حجر الكعبة وقريش تسألني عن ليلة أُسري بي، ويسألوني عن أشياء من أوصاف بيت المقدس لم أحفظها ولم أضبطها؛ لاشتغالي بالأهم منها، فغممت غَمَّةً لم أُغَمَّ مثلَها أبدًا، فرفع الله لي بيت المقدس حتى أنظر له، ما يسألوني عن أمرٍ إلا أخبرتهم به، ولقد رأيت نفسي مع جماعة من الأنبياء، وكان موسى قائم يصلي، فإذا هو رجل خفيف اللحم ممشوق، شعره مجعد كأنه من رجال شَنُوءَة، وإذا عيسى ابن مريم عليه السلام قائم يصلي، أكثر الناس شبهًا به عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي، أكثر الناس شبهًا به صاحبكم، يعني النبي عليه الصلاة والسلام نفسه، فجاء وقت الصلاة فصليت بهم إمامًا، فلما انتهت الصلاة قال قائل: يا محمد، هذا مالك خازن النار، فسلم عليه، فالتفت له، فبدأ هو بالسلام عليَّ قبل أن أسلِّم عليه تبجيلًا وتكريمًا.
عَنْ عَمَّارٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا مَعَهُ إِلَّا خَمْسَةُ أَعْبُدٍ وَامْرَأَتَانِ وَأَبُو بَكْرٍ.
رواه البخاري
قال عمار رضي الله عنه: شاهدت النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الإسلام، ولم يكن أسلم معه إلا خمسة من العبيد، وهم بلال وزيد بن حارثة وعامر بن فهيرة وأبو فكيهة مولى صفوان بن أمية بن خلف وعبيد بن زيد الحبشي، وذكر بعضهم عمار بن ياسر بدل أبي فكيهة، وأسلم معه امرأتان هما خديجة أم المؤمنين وأم أيمن أو سمية، وأبو بكر الصديق وكان أول من أسلم من الأحرار البالغين رضي الله عنه.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلاَنٍ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ لاَ أُغْنِي شَيْئًا لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ لاَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ، قَالَ: وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ البَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ، ثُمَّ سَمَّى: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ» وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ يَحْفَظْ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرْعَى فِي القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ.
متفق عليه
نقل لنا ابن مسعودٍ رضي الله عنه مشهدًا من العهد المكي، بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يصلي عند الكعبة، غير ملتفتٍ لهم ولا لأصنامهم، وفي يوم من الأيام آذوه بوضع مشيمة ناقةٍ على ظهره وهو يصلي، فجعلوا يضحكون حتى يميل بعضهم على بعض من شدة الضحك، وابن مسعود عاجز عن الدفاع؛ لأنه ليس له من يدافع عنه، فهو من هذيل، ولم يرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من السجود حتى أتت فاطمة ابنته رضي الله عنها، فأماطت ذلك الأذى عن ظهره، ودعا عليهم، فعمَ وخصَّ، وأقسم ابن مسعود أن الذين دعا عليهم رسول الله عليه الصلاة والسلام في ذلك المقام قُتلوا جميعًا يوم بدر، وسُحبوا وأُلقُوا في القليب، أي بئر في بدر، مكان الغزوة.
كل الكمال والخير في اتباع منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، علماً وعملاً.
هدايات لشرح رياض الصالحين