الاقسام
اكتشف مجموعتنا المتنوعة من التصنيفات التي تغطي مواضيع متعددة لتلبية اهتماماتك المختلفةبطاقات دعوية تُبرز معانٍ عظيمة لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بأسلوب يسير وعرض جذاب تعين المسلم على فهم أعمق لدينه بطريقة يسيرة
﴿ وَٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴾
سورة هود
وانتظروا ما ينزل بنا فإنا منتظرون ما ينزل بكم من عذاب الله، حينئذ تعلمون لمن تكون له حسن العاقبة، وقد أنجز الله لرسوله وللمؤمنين وعده، ونصرهم وأيدهم.
﴿ قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَآۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ﴾
سورة يوسف
فدهشوا وتعجبوا وقالوا: أإنك لأنت أخونا يوسف الذي فارقناه وهو صغير فأصبح الآن عزيز مصر، والمتصرف في شؤونها؟! قال: نعم أنا يوسف الذي تتحدثون عنه، والذي فعلتم معه ما فعلتم، وهذا أخي قد تفضل الله علينا بالخلاص مما كنا فيه، وجمع بيننا بعد فراق طويل، ورفع قدري في الدنيا بالتمكين في الأرض؛ وذلك بسبب الصبر والتقوى، إن من شأن الإنسان الذي يتقِ الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ويصبر على الآلام والمصائب يكن من المحسنين، والله لا يذهب ثواب الإحسان بل يجزي عليه أحسن الجزاء.
﴿ وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ﴾
سورة المؤمنون
وسخر لكم الإبل من الأنعام تركبونها وتحملون عليها في البر أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وسخر لكم السفن في البحر لأسفاركم تحملكم، وتحمل متاعكم، فالذي أنعم بهذه النعم يستحق الشكر والطاعة، وأن لا يستعان بنعمه على معاصيه.
﴿ ٱلَّذِينَ هُمۡ يُرَآءُونَ ﴾
سورة الماعون
الذين هم يُراءون الناس بصلاتهم وأعمالهم؛ لِيثنى عليهم.
﴿ ۞ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ﴾
سورة الأنفال
وإن مال أعداؤكم إلى الصلح وترك الحرب ورغبوا في مسالمتكم فأجبهم -أيها الرسول- إلى ما طلبوا، وعاهدهم وفوِّض أمرك إلى الله وثقْ به، ولا تخش مكرهم وغدرهم إنه سبحانه وتعالى هو السميع لأقوالهم العليم بنياتهم وأفعالهم فيجازيهم بما يستحقون، ويرد كيدهم في نحورهم.
﴿ ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُحۡسِنِينَ ﴾
سورة الذاريات
أعطاهم الله جميع مُناهم من أصناف النعيم، فأخذوا ما أعطاهم ربهم من الجزاء الكريم، منعمين به، راضين به، فَرِحة به نُفوسهم، وقرت به أعينهم، إنهم كانوا قبل هذا الجزاء الكريم محسنين في دنياهم بما عملوه من أعمال صالحة بإتقان وإخلاص.
﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴾
سورة العنكبوت
ومن الناس من يقول بلسانه: آمنَّا بالله، فإذا آذاه الكفار على إيمانه جَزَع مِن أذاهم، وجعل أذاهم له في الدنيا بمنزلة عذاب الله في الشدة والألم فارتدَّ عن إيمانه موافقة للكفار، ولئن جاء نصر من ربك -أيها الرسول- لأهل الإيمان بالله ورسوله ليقولَنَّ هؤلاء: إنَّا كنَّا معكم -أيها المؤمنون- على الإيمان، وكنا ننصركم على أعدائكم، وما دام الأمر كذلك فأشركونا معكم فيما ترتب على النصر من مغانم وخيرات، أليس الله بأعلم بما في صدور جميع خلقه من خير أو شر، لا يخفى عليه ما فيها من الإيمان أو الكفر؟!
﴿ فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكۡمٗا وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ﴾
سورة الشعراء
فخرجت من بينكم بعد أن توقعت الشر منكم فَارًّا إلى قرية مدين، لمَّا خِفت من قتلكم إيايَّ بما فعلتُ من غير عَمْد مني، فأعطاني ربي علمًا نافعًا ونبوة تفضلًا منه عليَّ، وجعلني من المرسلين الذين اصطفاهم الله لحمل رسالته والتشرف بنبوته.
﴿ أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗاۖ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخۡتِمۡ عَلَىٰ قَلۡبِكَۗ وَيَمۡحُ ٱللَّهُ ٱلۡبَٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾
سورة الشورى
بل أيقول هؤلاء المشركون: اختلق محمد الكذب على الله فيما يدعونا إليه، وفيما يتلوه علينا من قرآن، فجاء بهذا القرآن من عند نفسه ونسبه لربه؟ فقال الله ردًا عليهم: إنك إن فعلت ذلك، وقلت علينا من الباطل ما لم نقل فإن الله يطبع على قلبك عقوبة لك، ويمحو الباطل ويزيله، ويثبت الحق بكلماته الفاصلة التي لا تتغير ولا تتبدل، وبقضائه العادل، -ولَمَّا لم يطبع الله على قلب نبيه ﷺ وظل ما بلغه رسول الله كما بلغه، ورضي الله منه هذا البلاغ دل على صدق النبي ﷺ وأن القرآن وحي الله إليه-، إن الله عليم بما في قلوب العباد من أسرار ونوايا، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وسيجازي كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر.
﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعۡدُ بِٱلدِّينِ ﴾
سورة التين
فأي شيء يحملك -أيها الإنسان- على أن تكذب بالبعث والحساب والجزاء بعد أن دلت على وقوعه الأدلة التي لا شك فيها؛ كخلقك من العدم في أحسن تقويم.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «حَجَجْنَا مع النبي صلى الله عليه وسلم فَأَفَضْنَا يوم النَّحْرِ، فحاضت صَفِيَّةُ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله، إنها حائض، قال: أَحَابِسَتُنَا هي؟ قالوا: يا رسول الله، إنها قد أفاضت يوم النَّحْرِ، قال: اخْرُجُوا». وفي لفظ: قال النبي صلى الله عليه وسلم : «عَقْرَى، حَلْقَى، أطافت يوم النَّحْرِ؟ قيل: نعم، قال: فَانْفِرِي».
متفق عليه
ذكرت عائشة رضي الله عنها : أنهم حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. فلما قضوا مناسكهم أفاضوا وطافوا بالبيت العتيق، ومعهم زوجه صَفيَّة رضي الله عنها . فلما كان ليلة النَّفَر، حاضت "صَفيَّة" فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يريد منها ما يريد الرجل من أهله، فأخبرته عائشة أنها حاضت، فظن صلى الله عليه وسلم أنه أدركها الحيض من قبل فلم تطف طواف الإفاضة؛ لأن هذا الطواف ركن لا يتم الحج بدونه، فستمنعهم من الخروج من مكة حتى تطهر وتطوف، فقال تلك الكلمة المشهورة التي تقال على الألسن بدون إرادة معناها الأصلي: عَقْرَى حَلْقَى، قال صلى الله عليه وسلم : أحابستنا هي هنا حتى تنتهي حيضتها وتطوف لحجها؟ فأخبروه أنها قد طافت طواف الإفاضة قبل حيضها، فقال: فلتنفِر، إذ لم يبق عليها إلا طواف الوداع، وهي معذورة في تركه.
عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: شكا أهل الكوفة سعدًا يعني: ابن أبي وقاص رضي الله عنه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعزله، واستعمل عليهم عمارًا، فشَكَوا حتى ذكروا أنه لا يُحسن يصلي، فأرسل إليه، فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تُحسن تصلي، فقال: أمَّا أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أَخْرِمُ عنها، أصلي صلاتَي العشاء فأَرْكُدُ في الأُولَيَيْنِ، وأُخِفُّ في الأُخْرَيَيْنِ. قال: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، وأرسل معه رجلًا -أو رجالًا- إلى الكوفة يسأل عنه أهل الكوفة، فلم يَدَعْ مسجدًا إلا سأل عنه، ويُثْنُونَ معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عَبْسٍ، فقام رجل منهم، يقال له أسامة بن قتادة، يكنى أبا سَعْدَةَ، فقال: أما إذ نشدتنا فإن سعدًا كان لا يسير بالسَّرية ولا يَقْسِم بالسَّوية، ولا يَعْدِل في القضية. قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رِياء، وسُمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن. وكان بعد ذلك إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك بن عمير الراوي عن جابر بن سمرة: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق فيَغْمِزُهُنَّ.
متفق عليه
أمَّر عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه سعدَ بن أبي وقاص رضي الله عنه على الكوفة، فشكاه أهل الكوفة إلى أمير المؤمنين عمر، حتى قالوا إنه لا يحسن أن يصلي، وهو صحابي جليل شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، فأرسل إليه عمر، فحضر وقال له: إن أهل الكوفة شكوك حتى قالوا: إنك لا تحسن تصلي، فأخبره سعد رضي الله عنه أنه كان يصلي بهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وذكر صلاة العشاء وكأنها - والله أعلم - هي التي وقع تعيينها من هؤلاء الشكاة، فقال: إني لأصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أنقص منها، فكنت أطول في العشاء بالأوليين وأقصر في الأخريين، فقال له عمر رضي الله عنه: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، فزكاه عمر؛ لأن هذا هو الظن به، أنه يحسن الصلاة وأنه يصلي بقومه الذين أمر عليهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن مع ذلك تحرى ذلك عمر رضي الله عنه؛ لأنه يتحمل المسئولية ويعرف قدر المسئولية، أرسل رجالًا إلى أهل الكوفة، يسألونهم عن سعد وعن سيرته، فكان هؤلاء الرجال، لا يدخلون مسجدًا ويسألون عن سعد إلا أثنوا عليه معروفًا. حتى أتى هؤلاء الرجال إلى مسجد بني عبس، فسألوهم، فقام رجل فقال: أما إذ ناشدتمونا، فإن هذا الرجل لا يخرج في الجهاد، ولا يقسم بالسوية إذا غنم، ولا يعدل في القضية إذا حكم بين الناس، فاتهمه هذه التهم، فهي تهم ثلاث، فقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أمَا إن قلت كذا فلأدعون عليك بثلاث دعوات، دعا عليه أن يطيل الله تعالى عمره وفقره ويعرضه للفتن، نسأل الله العافية، ثلاث دعوات عظيمة، لكنه رضي الله عنه استثنى، قال: إن كان عبدك هذا قام رياء وسمعة يعني لا بحق، فأجاب الله دعاءه، فعمر هذا الرجل طويلًا وشاخ حتى إن حاجبيه سقطت على عينيه من الكبر، وكان فقيرًا وعرض للفتن، حتى وهو في هذه الحال وهو كبير إلى هذا الحد كان يتعرض للجواري، يتعرض لهن في الأسواق ليغمزهن والعياذ بالله، وكان يقول عن نفسه شيخ مفتون كبير أصابتني دعوة سعد.
عن البَرَاء بن عَازب رضي الله عنهما قال: «خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى بعد الصلاة، فقال: من صلى صلاتنا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فقد أصاب النُّسُكَ، ومن نسك قبل الصلاة فلا نُسُك له. فقال أبو بُرْدَةَ بن نِيَار -خال البَرَاء بن عَازبٍ-: يا رسول الله، إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي، فذبحت شاتي، وتغديت قبل أن آتي الصلاة. فقال: شاتك شاة لحم. قال: يا رسول الله، فإن عندنا عَنَاقًا لنا هي أحب إلي من شاتين؛ أَفَتَجْزِي عني؟ قال: نعم، ولن تَجْزِيَ عن أحد بعدك».
متفق عليه
خطب النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عيد الأضحى بعد صلاتها، فأخذ يبين لهم أحكام الذبح ووقته في ذلك اليوم، فذكر لهم أنه من صلى مثل هذه الصلاة، ونسك مثل هذا النسك اللذين هما هديه صلى الله عليه وسلم ، فقد أصاب النسك المشروع. أما من ذبح قبل صلاة العيد فقد ذبح قبل دخول وقت الذبح فتكون ذبيحته لحمًا لا نُسُكًا مشروعًا مقبولًا، فلما سمع أبو بردة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، إني ذبحت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أول ما يُذبح في بيتي، فذبحت شاتي، وتغديت قبل أن آتي إلى الصلاة. فقال صلى الله عليه وسلم : ليست نسيكتك أضحية مشروعة، وإنما هي شاة لحم. قال يا رسول الله: إن عندي عَنَاقا مُرَبّاة في البيت، وغالية في نفسي، وهي أحب إلينا من شاتين، أَفَتُجْزِي عنّي إذا أرخصتها في طاعة الله ونسكتها؟ قال صلى الله عليه وسلم : نعم، ولكن هذا الحكم لك وحدك من سائر الأمة خصيصة لك، فلا تُجْزِي عنهم عناق من المعزى ما لم تُتم سنة.
عن سهل بن سعد رضي الله عنه : أن امرأةَ جاءت إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِبُرْدَةٍ مَنسُوجَةٍ، فقالت: نَسَجتُها بيديَّ لأَكْسُوَكَها، فأخذها النبيُّ صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، فخرجَ إلينا وإنها إزارُهُ، فقال فلانٌ: اكسُنِيها ما أحسَنَها! فقال: "نعم"، فجلسَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في المجلسِ، ثم رجع فطَوَاها، ثم أرسلَ بها إليه، فقال له القومُ: ما أحسَنتَ! لبسها النبيُّ صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، ثم سألته وعَلِمتَ أنه لا يَرُدَ سائلاً، فقال: إني واللهِ ما سألتُهُ لألبِسَها، إنما سألتُهُ لتكُونَ كَفَنِي. قال سهلٌ: فكانت كَفَنَهُ.
رواه البخاري بنحوه، للفائدة: قد يكون النووي أخذه من كتاب الحميدي، انظر: الجمع بين الصحيح (1/556 رقم925)
في الحديث إيثار النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه؛ لأنه آثر هذا الرجل بهذه البردة التي كان محتاجاً إليها؛ لأنه لبسها بالفعل مما يدل على شدة احتياجه إليها، فإن امرأة جاءت وأهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بردة، فتقدم رجل إليه فقال: ما أحسن هذه؟، وطلبها من النبي صلى الله عليه وسلم ، ففعل الرسول عليه الصلاة والسلام خلعها وطواها وأعطاه إياها. ذكر بعض الشرّاح أن من فوائد هذا الحديث التبرك بآثار الصالحين، وليس كذلك إنما هو التبرك بذاته –صلى الله عليه وسلم- ولا يقاس غيره به في الفضل والصلاح، وأيضاً الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيراً لسبقونا إليه.
عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "بينما رجلٌ يمشي بفلاةٍ من الأرضِ، فسمع صوتًا في سحابةٍ: اسقِ حديقةَ فلانٍ. فتنحَّى ذلك السحابُ، فأفرغ ماءَه في حرةٍ، فإذا شَرْجَةٌ من تلك الشِّرَاجِ قد استوعبتْ ذلك الماءَ كلَّه، فتتَّبع الماءَ، فإذا رجلٌ قائمٌ في حديقته يُحوِّلُ الماءَ بمسحاته، فقال له: يا عبدَ اللهِ؛ ما اسمُك؟، قال: فلانٌ للاسم الذي سمعَ في السحابة، فقال له: يا عبدَ اللهِ؛ لم تسألني عن اسمي؟، فقال: إني سمعت صوتًا في السحابِ الذي هذا ماؤه، يقول: اسق حديقةَ فلانٍ لاسمِك، فما تصنعُ فيها؟، قال: أما إذ قُلتَ هذا فإني أنظرُ إلى ما يخرُجُ منها، فأتصدَّقُ بثُلثِه، وآكُلُ أنا وعيالي ثُلثًا، وأرُدُّ فيها ثُلثه".
رواه مسلم
بينا رجل بصحراء واسعة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة يقول: اسق بستان فلان، فابتعد ذلك السحاب عن مقصده، فأفرغ ماءه في أرض ذات حجارة سود، فإذا مسيل من تلك المسايل قد استوعب الماء كله، فتتبع الرجل الماء، فوجد رجلا قائما في حديقته يحول الماء من مكان إلى مكان من حديقته بمسحاته، فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان - للاسم الذي سمع في السحابة - فقال له: يا عبد الله لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان، لاسمك، فما تصنع في حديقتك من الخير حتى تستحق هذه الكرامة-، قال: أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها من زرع الحديقة وثمرها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأصرف في الحديقة للزراعة والعمارة ثلثه.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : «أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَتَغَيَّظَ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: لِيُرَاجِعْهَا، ثم لِيُمْسِكْهَا حتى تَطْهُرَ، ثم تَحِيضُ فَتَطْهُرَ، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يَمَسَّهَا، فتلك العِدَّةُ، كما أمر الله عز وجل ». وفي لفظ: «حتى تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً، سِوَى حَيْضَتِهَا التي طَلَّقَهَا فيها». وفي لفظ «فحُسِبَتْ من طلاقها، ورَاجَعْهَا عبدُ الله كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ».
متفق عليه
طلق عبد الله بن عمر رضي الله عنهما امرأته وهي حائض، فذكر ذلك أبوه للنبي صلى الله عليه وسلم ، فتغيظ غضبا، حيث طلقها طلاقا محرما، لم يوافق السنة. ثم أمره بمراجعتها وإمساكها حتى تطهر من تلك الحيضة ثم تحيض أخرى ثم تطهر منها. وبعد ذلك- إن بدا له طلاقها ولم ير في نفسه رغبة في بقائها- فليطلقها قبل أن يطأها، فتلك العدة، التي أمر الله بالطلاق فيها لمن شاء. واختلف العلماء في وقوع الطلاق على الحائض ومع أن الطلاق في الحيض محرم ليس على السنة، والقول المفتى به ما دلت عليه رواية أبي داود وغيره لهذا الحديث: (فردها علي ولم يرها شيئا) وأما الألفاظ الواردة في هذه الرواية فليست صريحة في الوقوع ولا في أن الذي حسبها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الحديث المحكم المشهور: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) متفق عليه.
عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- مرفوعاً: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الوَلاءِ وعن هِبَتِهِ».
متفق عليه
الوَلاء لحمَة كلحمَةِ النسب، من حيث إن كلا منهما لا يكتسب ببيع ولا هبة ولا غير هما، لهذا لا يجوز التصرف فيه ببيع ولا غيره. وإنما هو صلة ورابطة بين المعتق والعتيق يحصل بها إرث الأول من الثاني، والنهي عن بيعه وهبته لكونه كالنسب الذي لا يزول بالإزالة. فلو أن إنساناً باع نسبه من أخيه ما يصلح البيع، أو باع نسبه من ولده لم يصح البيع، أو باع نسبه من ابن عمه لا يصح البيع، النسب لا يباع، وهكذا الولاء.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه أعرابي فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاما أسود، فقال: «هل لك من إبل» قال: نعم، قال: «ما ألوانها» قال: حمر، قال: «هل فيها من أَوْرَقَ» قال: نعم، قال: «فأنى كان ذلك» قال: أراه عرق نزعه، قال: «فلعل ابنك هذا نَزَعَهُ عِرْقٌ»
متفق عليه
ولد لرجل من قبيلة فزارة غلام خالف لونه لون أبيه وأمه، فصار في نفس أبيه شك منه. فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم معرضًا بقذف زوجه وأخبره بأنه ولد له غلام أسود. ففهم النبي صلى الله عليه وسلم مراده من تعريفه، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يقنعه ويزيل وساوسه، فضرب له مثلا مما يعرف ويألف. فقال: هل لك إبل؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل يكون فيها من أورق مخالف لألوانها؟ قال: إن فيها لورقا. فقال: فمن أين أتاها ذلك اللون المخالف لألوانها؟. قال الرجل: عسى أن يكون جذبه عرق وأصل من آبائه وأجداده. فقال: فابنك كذلك، عسى أن يكون في آبائك وأجدادك من هو أسود، فجذبه في لونه. فقنع الرجل بهذا القياس المستقيم، وزال ما في نفسه من خواطر.
عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه مرفوعاً: «أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أَمَة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم . قال: فأعرض عني. قال: فَتَنَحَّيْتُ فذكرت ذلك له. قال: كيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما؟!».
رواه البخاري
تزوَّج عقبة بن الحارث أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فأخبرته أنها قد أرضعته وأرضعت زوجه، وأنهما أخوان من الرضاعة. فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم قولها، وأنها كاذبة في دعواها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم منكرا عليه رغبته في البقاء معها، مع شهادة هذه الأمة-: كيف لك بذلك، وقد قالت هذه المرأة ما قالت، وشهدت بما علمت؟.
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي عام حَجَّةِ الوداع من وَجَعٍ اشْتَدَّ بي، فقلت: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوَجَعِ ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يَرِثُنِي إلا ابنةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشَّطْرُ يا رسول الله؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك إن تَذَرَ وَرَثَتَكَ أغنياء خيرٌ من أن تَذَرَهُم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ بها، حتى ما تجعل في فِيْ امرأتك. قال: قلت: يا رسول الله أُخَلَّفُ بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تُخَلَّفُ فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازْدَدْتَ به درجة ورِفْعَةً، ولعلك أن تُخَلَّفَ حتى ينتفع بك أقوام، ويُضَرُّ بك آخرون. اللهم أَمْضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تَرُدَّهُم على أَعْقَابِهِم، لكنِ البَائِسُ سعد بن خَوْلَةَ (يَرْثِي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة).
متفق عليه
مرض سعد بن أبي وقاص -رضى الله عنه- في حجة الوداع مرضًا شديدًا خاف من شدته الموت، فعاده النبي صلى الله عليه وسلم كعادته في تفقد أصحابه ومواساته إياهم، فذكر سعد للنبي صلى الله عليه وسلم من الدواعي، ما يعتقد أنها تسوغ له التصدق بالكثير من ماله، فقال: يا رسول الله، إنني قد اشتد بي الوجع الذي أخاف منه الموت، وإني صاحب مال كثير، وإنه ليس من الورثة الضعفاء الذين أخشى عليهم العيلة والضياع إلا ابنة واحدة، فبعد هذا هل أتصدق بثلثي مالي، لأقدمه لصالح عملي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا. قال: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا. قال: فالثلث؟ فقال: لا مانع من التصدق بالثلث مع أنه كثير. فالنزول إلى ما دونه من الربع والخمس أفضل. ثم بين له النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة في النزول في الصدقة من أكثر المال إلى أقله بأمرين: 1- وهو أنه إن مات وقد ترك ورثته أغنياء منتفعين ببره وماله فذلك خير من أن يخرجه منهم إلى غيرهم، ويدعهم يعيشون على إحسان الناس. 2- وإما أن يبقى ويجد ماله، فينفقه في طرقه الشرعية، ويحتسب الأجر عند الله فيؤجر على ذلك، حتى في أوجب النفقات عليه وهو ما يطعمه زوجه. ثم خاف سعد بن أبي وقاص أن يموت بمكة التي هاجر منها وتركها لوجه الله تعالى، فينقص ذلك من ثواب هجرته، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن يخلف قهرا في البلد التي هاجر منها، فيعمل فيه عملا ابتغاء ثواب الله إلا ازداد به درجة، ثم بشره صلى الله عليه وسلم بما يدل على أنه سيبرأ من مرضه، وينفع الله به المؤمنين، ويضر به الكافرين، فكان كما أخبر الصادق المصدوق، فقد بريء من مرضه، وصار القائد الأعلى في حرب الفرس، فنفع الله به الإسلام والمسلمين، وفتح الفتوح وضر به الله الشرك والمشركين، ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعموم أصحابه أن يحقق لهم درجتهم، وأن يقبلها منهم، وألا يردهم عن دينهم أو إلى البلاد التي هاجروا منها، فقبل الله منه ذلك، وله الحمد والمنة، والحمد لله الذي أعز بهم الإسلام. ثم ذكر سعد بن خولة، وهو من المهاجرين الذين هاجروا من مكة ولكن الله قدر أن يموت فيها؛ فمات فيها، فرثى له النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ أي: توجع له أن مات بمكة؛ وقد كانوا يكرهون للمهاجر أن يموت في الأرض التي هاجر منها.
كل الكمال والخير في اتباع منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، علماً وعملاً.
هدايات لشرح رياض الصالحين