الاقسام
اكتشف مجموعتنا المتنوعة من التصنيفات التي تغطي مواضيع متعددة لتلبية اهتماماتك المختلفةبطاقات دعوية تُبرز معانٍ عظيمة لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بأسلوب يسير وعرض جذاب تعين المسلم على فهم أعمق لدينه بطريقة يسيرة
﴿ وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا ﴾
سورة الجن
وأنَّه كان في الجاهلية رجال من الإنس يستعيذون برجال من الجن إذا نزلوا في سفرهم في واد مخيف، فزاد رجال الجن من تعوذ بهم من رجال الإنس خوفًا ورعبًا.
﴿ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ﴾
سورة غافر
ويقول الله: اليوم تُجزى كل نفس من النفوس المؤمنة والكافرة، والبارة والفاجرة بما كسبته في الدنيا من عمل إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، لا ظلم لأحد في هذا اليوم بزيادة في سيئاته أو نقص من حسناته، إن الله سريع الحساب لعباده قد أحاط علمه بهم.
﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا ﴾
سورة النساء
ما تُعطاه -أيها الإنسان- من خير ونعمة مما يسرك من رزق وولد فهو مما تفضل الله به عليك، وما حل بك من مصيبة مما يسوؤك في رزقك وولدك فهو بسبب ما ارتكبته من السيئات والخطايا، وبعثناك -أيها النبي- لجميع الناس رسولًا من عند الله تبلغهم رسالة ربك، وكفى بالله شاهدًا على صدقك فيما تبلغهم عنه، وإذا ثبت ذلك فالخير في طاعتك والشر والشؤم في مخالفتك.
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩ ﴾
سورة الفرقان
وإذا قيل للكفار: اسجدوا للرحمن وحده واعبدوه الذي أنعم عليكم بسائر النعم ودفع عنكم جميع النقم، قالوا: لا نسجد للرحمن، وما الرحمن الذي تأمروننا بالسجود له؟ أنسجد لإله تأمرنا بالسجود له طاعة لأمرك ونحن لا نعرفه ولا نؤمن به؟ وزادهم دعاؤهم إلى السجود للرحمن بُعْدًا عن الإيمان بالله ونفورًا منه، وزيادة في الكفر والمعاصي.
﴿ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ﴾
سورة التوبة
ولا إثم كذلك على المتخلفين عنك من فقراء المؤمنين الذين جاؤوك -أيها الرسول- يطلبون منك ما تحملهم عليه من الدوابّ التي يركبونها لكي يخرجوا معك إلى الغزو والتي تُعِينهم على الجهاد، فقلت لهم معتذرًا: لا أجد ما أحملكم عليه من الدوابّ، فانصرفوا من مجلسك وأعينهم تسيل من الدمع أسفًا على عجزهم عن تدبير ما ينفقونه في مطالب الجهاد وما يُحملون عليه في سفرهم للخروج للجهاد في سبيل الله، فيبكون على ما فاتهم من شرف الجهاد وثوابه الذي أعده الله للمجاهدين.
﴿ هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُۥۚ يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشۡفَعُواْ لَنَآ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ قَدۡ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ﴾
سورة الأعراف
ماذا ينتظر هؤلاء الكفار؟ إنهم لا ينتظرون إلا تحقق ما وُعِدُوا به من العذاب الأليم الذى يؤول إليه أمرهم في الآخرة، جزاء كفرهم بالله وتكذيبهم لرسله، ثم بين الله حالهم يوم الحساب فقال: يوم يأتي يوم القيامة الذي أخبر عنه القرآن ووُعِدُوا به، والذي يقف الناس فيه أمام خالقهم للحساب والثواب والعقاب، يقول الذين نسوا الدين وتركوا العمل بما جاء في القرآن: لقد جاءتنا رسل ربنا بالحق ونصحوا لنا فكذبناهم، ثم يقولون متحسرين: يا ليتنا نجد من يشفع لنا عند ربنا ليكشف عنَّا العذاب، أو يا ليتنا نرجع إلى الدنيا فنعمل عملًا صالحًا غير الذي كنَّا نعمل من الكفر ومحاربة الرسل؛ ليرضى عنَّا ربنا، قد خسر هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا أنفسهم بدخولهم النار والخلود فيها بسبب كفرهم، وغاب عنهم وخذلهم ما كانوا يعبدونه من دون الله، وما كانوا يزعمونه في الدنيا من أن أصنامهم ستشفع لهم أو تنفعهم يوم الجزاء، وأيقنوا أنهم كانوا كاذبين في دعواهم.
﴿ وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ﴾
سورة الرعد
وهم الذين صبروا على طاعة الله وداوموا عليها، وصبروا عن المعصية ابتعادًا عنها، وعلى البلاء بعدم التسخط عليه طلبًا لرضا ربهم، وأدوا الصلاة في أوقاتها وبأركانها وشروطها وسننها وأذكارها بخشوع وإخلاص، وأدوا من أموالهم زكاتها المفروضة عليهم طيبة بها نفوسهم، وتصدقوا ابتغاء وجه ربهم في الخفاء بعدًا عن الرياء، وفي العلن ليتأسى بهم غيرهم، ويدفعون سوء من أساء إليهم بالإحسان إليه فيعطون من حرمهم، ويعفون عمن ظلمهم، ويصلون من قطعهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، أولئك الموصوفون بهذه الصفات الحميدة لهم العاقبة المحمودة في الآخرة وهي الجنة.
﴿ ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ ﴾
سورة الماعون
الذين هم عن صلاتهم لاهون يؤخرونها عن وقتها، ومفوتون لأركانها.
﴿ الٓمٓ ﴾
سورة العنكبوت
(الٓمٓ) الحروف المقطَّعة لا يعرف معناها إلا الله، نزلت لتحدي العرب أهل الفصاحة.
﴿ فَلۡيَضۡحَكُواْ قَلِيلٗا وَلۡيَبۡكُواْ كَثِيرٗا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ﴾
سورة التوبة
فليضحك هؤلاء المنافقون الذين تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك قليلًا في حياتهم الدنيا الزائلة وليتمتعوا فيها ويفرحوا بلذاتها ويلهوا بلعبها، فسيبكون كثيرًا في نار جهنم جزاء بما كانوا يكسبون من الكفر والنفاق في حياتهم الدنيوية وعدم انقيادهم لأوامر ربهم.
عن أبي أمامة التيمي قال: كنت رجلًا أكري في هذا الوجه، وكان ناس يقولون: إنه ليس لك حج، فلقيت ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إني رجل أكري في هذا الوجه، وإن ناسًا يقولون: إنه ليس لك حج. فقال ابن عمر: أليس تُحرِم وتلبي وتطوف بالبيت وتُفيض من عرفات وترمي الجمار؟ قال: قلت: بلى. قال: فإن لك حجًّا، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن مثل ما سألتني عنه، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يجبه، حتى نزلت هذه الآية: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم} [البقرة: 198] فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ عليه هذه الآية، وقال: "لك حج".
رواه أبو داود
أخبر أبو أمامة التيمي أنه كان يكري في الحج، أي أنه يُؤجِرُ راحلته ودوابَّه للناس في الذهاب إلى الحج، ويأخذ الأجرة على ذلك، وهو حاج مع الناس، وكان الناس يقولون له: ليس لك حج؛ لأنه كان يذهب للكري، فلقي ابن عمر فأخبره بأنه يكري في الحج وبما قاله الناس، فقال ابن عمر: ألست تفعل كل مناسك الحج من الإحرام والتلبية والطواف بالبيت والإفاضة من عرفات ورمي الجمار؟ قال: بلى، فأخبره ابن عمر أن له حج، وأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فسأله عن نفس مسألته، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه، حتى نزلت هذه الآية: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم} فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرجل، وقرأ عليه هذه الآية، وقال له: (لك حج)، فدل هذا على أنه يجوز للإنسان أن يكري، وله مع ذلك أن يحج، وأنه من ابتغاء فضل الله عز وجل.
عن الحسن {فلا تعضلوهن} [البقرة: 232] قال: حدثني معقل بن يسار، أنها نزلت فيه، قال: زوَّجتُ أختًا لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وفرشتك وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدا، وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية: {فلا تعضلوهن} [البقرة: 232] فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: فزوجها إياه.
رواه البخاري
نزل قوله تعالى: {فلا تعضلوهن} في معقل بن يسار رضي الله عنه، فذكر أنه زوَّج أخته من رجلٍ فطلقها، ثم بعد أن انقضت عدتها منه جاء ليخبطها، فقال له معقل: زوَّجتُك إياها وجعلتها لك فرشًا وأكرمتك بذلك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله لا ترجع إليك أبدًا، وكان رجلًا جيدًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية: {فلا تعضلوهن} لا تمنعوهن، وهو ظاهر أن العضل يتعلق بالأولياء، فقال: الآن أفعل وأزوجها يا رسول الله، فزوجها إياه بعقد جديد. وهذا الحديث من أقوى الأدلة وأصرحها على اعتبار الولي في النكاح، وإلا لما كان لعضله معنى، ولأنها لو كان لها أن تُزوِّج نفسَها لم تحتج إلى أخيها، ومن كان أمره إليه لا يقال إن غيره منعه منه.
عن أبي يونس مولى عائشة، أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذِنِّي: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] فلما بلغتها آذنتها فأملت علي: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين}، قالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رواه مسلم
أمرت عائشة رضي الله عنها مولاها بكتابة مصحف، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فأخبرني وأعلمني ببلوغك إياها، وإنما أمرته بذلك لتملي عليه ما ظنَّته من الآية، ثم ذكرت الآية المشار إليها بقولها: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فلما بلغ الآية أعلمها ببلوغه إياها، فألقت عليه ليكتب فقالت: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين} قالت عائشة: سمعتها كهذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذه القراءة تكون الواو زائدة، فإذا قدرنا أن الواو زائدة كانت صلاة العصر هي الصلاة الوسطى؛ لأن صح في أحاديث أخرى أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى، وهذا الذي سمعته عائشة، وأمرت بكتبه في المصحف كان على القراءة المتقدمة التي أخبر بها البراء أنها نسخت، وقد اتفق المسلمون كافة على أن قولها: وصلاة العصر، ليس اليومَ قرآنًا يتلى، وأمر الله تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات بأدائها في أوقاتها، وحفظ حدودها وآدابها، وأن نقوم لله خاشعين ذليلين، مستكينين بين يديه، وهو خطاب لجميع الأمة، والآية أمر بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها، والمحافظة هي المداومة على الشيء، والمواظبة عليه، واستدل به بعضهم على أن صلاة العصر ليست هي صلاة الوسطى؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، ورد عليه بأن العطف للتفسير، بدليل الأحاديث الصحيحة المرفوعة.
عن شقيق بن عقبة عن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية: {حافظوا على الصلوات وصلاة العصر}، فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله، فنزلت: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238]، فقال رجل كان جالسًا عند شقيق له: هي إذن صلاة العصر، فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله، والله أعلم.
رواه مسلم
قال البراء بن عازب نزلت هذه الآية: {حافظوا على الصلوات وصلاة العصر}، فقرأناها مدة مشيئة الله تعالى ذلك ثم نسخها الله، أي رفع تلاوتها دون حكمها، فنزلت: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}، فقال رجل للبراء: هي إذن صلاة العصر، أي إذا كان الأمر كما ذكرت من أن الآية نزلت أولا بلفظ: {حافظوا على الصلوات وصلاة العصر}، ثم نسخت إلى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فتكون الصلاة الوسطى هي العصر؛ لأنها نزلت بدلها، وظاهر هذا أن نسخها إنما هو في اللفظ لا في المعنى، فهي مما نسخ لفظه وبقي حكمه، فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله، والله أعلم. والحاصل أن عدم جزم البراء رضي الله عنه لا يمنع أن نجزم بأنها صلاة العصر بالأدلة الأخرى التي لا تردد فيها، كحديث علي رضي الله عنه وغيره.
عن ابن عباس قال: قال عمر رضي الله عنه يومًا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فيم ترون هذه الآية نزلت: {أيود أحدكم أن تكون له جنة} [البقرة: 266]؟ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر فقال: «قولوا نعلم أو لا نعلم»، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. قال عمر: «يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك»، قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل. قال عمر: «أي عمل؟» قال ابن عباس: لعمل، قال عمر: «لِرجلٍ غني يعمل بطاعة الله عز وجل، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله».
رواه البخاري
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للصحابة: في أي شيء تظنون أن هذه الآية نزلت: {أيود أحدكم أن تكون له جنة}؟ فقال الصحابة: الله أعلم، فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم، لنعرف ما عندكم، ووجه غضبه بأنه سألهم عن تعيين ما عندهم في نزول الآية ظنًّا أو علمًا، مدارسةً، فأجابوا بجواب يصلح صدوره من العالم بالشيء والجاهل به، فلم يحصل المقصود، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء من العلم بتفسيرها يا أمير المؤمنين، قال له عمر: يا ابن أخي، قل ولا تحقر نفسك، لصغر سن ابن عباس، قال ابن عباس: ضربت الآية مثلًا لعمل، قال عمر: ما هو العمل؟ قال ابن عباس: لعمل، فقرَّب وأتى بنصف الإجابة، فقال عمر: لِرجلٍ غني يعمل بطاعة الله عز وجل، ثم بعث الله له الشيطان فوسوس له، فعمل بالمعاصي حتى أضاع أعماله الصالحة بما ارتكب من المعاصي، لأنها صارت أكثر من الطاعات، واحتاج إلى شيء من الطاعات في أهم أحواله فلم يحصل له منه شيء وخانه أحوج ما كان إليه، ولذا قال: {وأصابه الكبر} أي كبر السن، فإن الفقر في الشيخوخة أصعب {وله ذرية ضعفاء} صغار لا قدرة لهم على الكسب، {فأصابها إعصار} وهو الريح الشديد {فيه نار فاحترقت} ثماره وأبادت أشجاره.
عن البراء {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقِنو والقِنوين فيعلِّقَه في المسجد، وكان أهل الصُّفَّة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه، فيسقط من البُسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشِّيْصُ والحَشَف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله تبارك تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} قالوا: لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى، لم يأخذه إلا على إغماض أو حياء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده.
رواه الترمذي وابن ماجه
أخبر البراء رضي الله عنه في قوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} أنها نزلت في شأن بعض الأنصار، وكانوا أصحاب نخل، فكانوا يأتون مِن نخلهم بصدقة، بحسب كثرته وقلته، فيجيء الرجل بالعنقود والعنقودين فيعلقه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أهل الصُّفَّة ليس لهم طعام، وهم فقراء المسلمين الذين يسكنون في المسجد، فإذا جاع أحدهم جاء إلى العنقود فضربه بعصاه، فيسقط التمر الذي شرع في التلون ويسقط الرطب فيأكلون منه، وكان أناسٌ ممن لا يريد الخير يجيء بالعنقود الرديء الذي فيه اليابس الفاسد من التمر، وبالعنقود المكسور فيعلقه في المسجد، فأنزل الله تبارك تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} أي لو أن أحدكم أهدي إليه مثل الذي أعطاه من الرديء من التمر لم يأخذه؛ لرداءته، إلا على وجه التغاضي أو الاستحياء والمسامحة، قال البراء: فكنا معشر الأنصار بعد نزول هذه الآية نجيء بصالح ما عندنا.
عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} [البقرة: 284]، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد انزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير"، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} [البقرة: 285]، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجل: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال: "نعم" {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] قال: "نعم" {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] قال: "نعم" {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] " قال: "نعم".
رواه مسلم
لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية: {لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} قال أبو هريرة رضي الله عنه: فعظُمت هذه الآية على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها تتناول كل ما يقع في نفس الإنسان من الخواطر؛ ما أطيق دفعه منها وما لا يطاق؛ ولذلك أشفقت الصحابة من محاسبتهم على جميع ذلك ومؤاخذتهم به، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسوا على ركبهم، فقالوا: يا رسول الله، كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق من الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك القول منهم، أجابهم بأن قال: هل تريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ لا تفعلوا، ولكن قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، فقالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، أي سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه وقمنا به، وامتثلنا العمل بمقتضاه، فاغفر لنا، فلما قرأها الصحابة لانت وسهلت بقراءتها ألسنتهم، يعني أنهم استجابوا وأطاعوا للنبي صلى الله عليه وسلم فيما دعاهم، وأرشدهم إليه، فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما فهموه، ونهاهم عن أن يقع لهم شيء مما وقع لضلال أهل الكتاب من المخالفة، وأمرهم بالسمع والطاعة، والتسليم لأمر الله تعالى على ما فهموه، فسلم القوم لذلك وأذعنوا، فأنزل الله في إثر الآية الأولى هذه الآية: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} لا نفرق بين أحد من الرسل في الإيمان بهم، فلما امتثل الصحابة ما دعاهم إليه النبي صلى الله عليه وسلم نسخ الله تعالى الآية، فأنزل الله عز وجل: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} أي: ما كسبت من خير فلها ثوابه، وما اكتسبت من شر فعليها عقابه، قال الله عز وجل: نعم، {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} والإصر هو العهد الذي يعجز عنه، قال الله عز وجل: نعم {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال الله عز وجل: نعم {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قال الله عز وجل: نعم، وهو إخبار من الله تعالى أنه أجابهم في تلك الدعوات، فكل داع يشاركهم في إيمانهم وإخلاصهم واستسلامهم، أجابه الله تعالى كإجابتهم؛ لأن وعده تعالى صدق، وقوله حق.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أن رجالًا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه، وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: (لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) الآية».
متفق عليه
كان رجال من المنافقين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأخرون عن الخروج للغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم لأجل نفاقهم، ويفرحون بقعودهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم مخالفين له، فإذا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا وذكروا له عذرا مانعا لهم من الخروج معه صلى الله عليه وسلم، وحلفوا على أن العذر الذي ذكروه عذر واقع لا شك فيه، ليحمدهم النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون بما ليس فيهم من الصدق في اعتذارهم وحلفهم عليه، فأنزل الله تعالى: (لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) الآية، فلا يظنون الذين يفرحون بما فعلوا ويحبون أن يحمدهم الناس ويثني عليهم بما لم يفعلوا، فلا يظنون أنهم بمنجاة من العذاب بل لهم عذابُ أليمٌ. وللآية سبب نزول آخر ذكره ابن عباس، وأنها في اليهود.
عن عروة أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قول الله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا} إلى {ورباع} [النساء: 3]، فقالت: «يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها، بغير أن يُقْسِطَ في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن» قال عروة: قالت عائشة: «ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله: {ويستفتونك في النساء} [النساء: 127] إلى قوله {وترغبون أن تنكحوهن} [النساء: 127] والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى، التي قال فيها: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3]، قالت عائشة: «وقول الله في الآية الأخرى: {وترغبون أن تنكحوهن} [النساء: 127] يعني هي رغبة أحدكم ليتيمته التي تكون في حجره، حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن».
متفق عليه
سأل عروةُ عائشةَ رضي الله عنها عن معنى وسبب نزول قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا} إلى {ورباع} أي إن خفتم ألا تعدلوا في مهور اليتامى من النساء، وفي النفقة عليهن، فانكحوا غيرهن من النساء، وإنما سألها هذا السؤال؛ لأنه ليس نكاح ما طاب سببًا للعدل في الظاهر، بل قد يكون النكاح سببًا للجور للحاجة إلى الأموال، فقالت عائشة رضي الله عنها: يا ابن أختي هي اليتيمة التي مات أبوها، وتكون عند وليها القائم بأمورها والذي يلي مالها، وتشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها، بغير أن يعدل في مهرها، بأن يتزوجها بغير أن يعطيها مثل ما يعطيها غيره ممن يرغب في نكاحها سواه، فنهوا أن يتزوجوهن إلا أن يعدلوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى عادة مهر مثلهن، وأمروا إن صعب ذلك عليهم أن يتركوهن وينكحوا ما حل لهم من النساء سوى تلك اليتيمة، بأي مهر توافقوا عليه، فيكون معنى الآية: إن خفتمي ا أولياء اليتامى من أنفسكم عدم العدل في نكاح اليتيمة، وألا تبلغوا بهن صداق أمثالهن، فلا تنكحوهن، وانكحوا غيرهن من الغرائب اللواتي أحل لكم من واحدة إلى أربع، وإن خفتم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة، فانكحوا منهن واحدة، أو ما ملكتم من الإماء. قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن النساء بعد هذه الآية، فأنزل الله: {ويستفتونك في النساء} إلى قوله {وترغبون أن تنكحوهن} فذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى وهي قوله: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: {وترغبون أن تنكحوهن} يعني هي رغبة أحدكم ليتيمته التي تكون في حجره بأن لم يردها، حين تكون اليتيمة قليلة المال والجمال، فنهوا أن يتزوجوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالعدل، لأجل زهدهم فيها إذا كانت قليلة المال والجمال، فينبغي أن يكون نكاح الغنية الجميلة ونكاح الفقيرة الذميمة على السواء في العدل، وقد كان يظلمها وليها في الجاهلية من ناحيتين، فإن كانت ذات مال وجمال رغب في أن يتزوجها بنفسه دون أن يعطيها صداق مثلها، فكان ينكحها بأقل مهر من مهر المثل، فنهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك، وأباح له أن يتزوج غيرها ممن أحل الله له بما شاء من المهر؛ لئلا يبخس اليتيمة حقها في المهر، وهذا هو المراد من قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} الآية، وأما إذا كانت قليلة الجمال ولها مال، فلا يتزوجها الولي؛ لعدم رغبته في جمالها، ولا يزوجها غيره خشية أن يذهب الزوج بمالها، فيمسكها عنده غير مزوجة، ولا يخفى ما في ذلك من الظلم لها، فنهاه الله عز وجل عن هذا الظلم، وأمره بأحد أمرين: إما أن يتزوجها بنفسه على مهر مثلها، وإما أن يُنكحها غيره، وهذا هو المراد من قوله تعالى: {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن}.
عن عائشة رضي الله عنها: {ومن كان غنيًّا فليستعفف، ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف} [النساء: 6]، قالت: «أُنزِلت في والي اليتيم أن يصيب من ماله إذا كان محتاجًا بقدر ماله بالمعروف».
متفق عليه
أخبرت عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: {ومن كان غنيًّا فليستعفف، ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف} أي من كان غنيًا من الأوصياء فليستعفف عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئًا، قالت عائشة: أنزلت هذه الآية في والي اليتيم، فله أن يصيب من مال اليتيم إذا كان الوالي محتاجًا بقدر ماله بالمعروف.
كل الكمال والخير في اتباع منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، علماً وعملاً.
هدايات لشرح رياض الصالحين