الاقسام
اكتشف مجموعتنا المتنوعة من التصنيفات التي تغطي مواضيع متعددة لتلبية اهتماماتك المختلفةبطاقات دعوية تُبرز معانٍ عظيمة لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بأسلوب يسير وعرض جذاب تعين المسلم على فهم أعمق لدينه بطريقة يسيرة






























اكتشف مجموعتنا المتنوعة من التصنيفات التي تغطي مواضيع متعددة لتلبية اهتماماتك المختلفةبطاقات دعوية تُبرز معانٍ عظيمة لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بأسلوب يسير وعرض جذاب تعين المسلم على فهم أعمق لدينه بطريقة يسيرة
وطلبًا للمصلحة العامة أراد يوسف عليه السلام أن ينفع الناس ويقيم العدل بينهم، فقال للملك: اجعلني واليًا على خزائن المال والأقوات في أرض مملكتك مصر، فإني خازن أمين فلا يضيع منه شيء في غير محله، وذو بصيرة بما أتولَّاه وعليم بكيفية التدبير والإعطاء والمنع، والتصرف في جميع أنواع التصرفات بما يفيد وينفع.
يوصيكم الله ويأمركم في شأن ميراث أولادكم بعد موتكم أن تقسم التركة بين الأبناء للذكر مثل نصيب البنتين إذا لم يكن هناك وارث غيرهم، فإن كان الورثة بنات دُون ذَكَر؛ فللبنتين فأكثر ثلثا التركة، وإن كانت بنتًا واحدة فلها نصف التركة، أما الوَالِدان فلكل واحد منهما السدس إن كان الميت له ولد وإن نزل من جهة الذكور، فإن لم يكن للميت أولاد وكان الوَالِدان موجودين فللأم ثلث التركة والباقي للأب، فإذا وجد مع الوالدين إخوة للميت أشقاء أو غير أشقاء فللأم سدس التركة والباقي للأب ولا شيء للإخوة، وهذا التقسيم للتركة يكون بعد تنفيذ الوصية التي أوصى الميت بها، بشرط ألا تزيد عن ثلث ماله، وكذلك بعد قضاء دَينه إن كان عليه دين، آباؤكم وأبناؤكم الذين فُرِض لهم الميراث لا تعلمون أيهم أنفع لكم في الدنيا والآخرة، فلا تفضلوا واحدًا منهم على الآخر، فقد يظن أحدكم بأحد الورثة خيرًا فيعطيه ماله كله، أو يظن به شرًا فيحرمه منه، وقد يكون خلاف ما ظن، لذلك شرع الله لكم ما هو أنفع لكم في الدارين، فقسم الميراث على ما بَيَّنه لكم وجعله مفروضًا عليكم، إن الله كان عليمًا بمصالح عباده لا يخفى عليه شيء منها، حكيمًا فيما شرعه لهم.
ذلك الانصراف عن الحق والإعراض عن شرع الله سببه أنهم زعموا باعتقادهم الفاسد أنهم لن يُعَذَّبوا في النار إلا أيامًا قليلة يوم القيامة، ثم يدخلون الجنة، فغرَّهم هذا الاعتقاد الفاسد، فتجرؤوا على شرع الله واستهانوا بدينه، واستمروا على دينهم الباطل الذي خدعوا به أنفسهم، وهم كاذبون في قولهم ذلك.
قل -أيها الرسول- لهؤلاء الجاهلين: كفى بالله بيني وبينكم شاهدًا على صدقي فيما جئتكم به من عند ربي، وعلى تكذيبكم به، يعلم ما في السماوات والأرض لا يخفى عليه شيء فيهما، وسيجازيني بما أستحقه من ثواب، وسيجازيكم بما تستحقونه من عقاب، والذين صدقوا بالشرك وعبادة الأوثان، وأعرضوا عن الحق الذي جئت به ودعوتهم إليه، وَكَفَرُوا بِاللَّهِ مع وضوح الأدلة على أنه هو المستحق للعبادة والطاعة، الذين فعلوا ذلك: أولئك هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.
هربت أشد الهروب من أسد يريد أن يفترسها، أو صياد قد أعد العدة يطاردها ليصطادها.
دُلّنا ووفقنا إلى الطريقِ الواضح الذي لا اعوجاج فيه طريقِ الإسلام الذي يوصلنا إلى سعادة الدنيا والآخرة، وثبتنا عليه حتى نلقاك.
وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم من أجل إعلاء كلمته ونصرة شريعته، طالبين رضا ربكم، هو اختاركم لحمل هذا الدين، واصطفاكم لحرب أعدائه، وجدير بمن اختاره الله واصطفاه أن يكون مطيعًا له، وقد جعل دينكم سمحًا لا تضييق فيه ولا تشديد في تكاليفه وأحكامه، هذه الملة السمحة هي: ملة أبيكم إبراهيم عليه السلام وقد سماكم الله المسلمين في الكتب السماوية السابقة وفي هذا القرآن، وقد اختصكم بهذا الاختيار ليكون الرسول شهيدًا عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أمر بتبليغه إليكم، ولتكونوا أنتم شهودًا على الأمم السابقة لكم أن رسلهم قد بلغوهم رسالة ربهم، بما أخبركم ربكم به في كتابه، وما دام الأمر كذلك فاشكروا الله على هذه النعمة بإقامة الصلاة في أوقاتها بإخلاص وخشوع على أكمل وجه، وأخرجوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم إلى مستحقيها، وأن تلجؤوا إلى ربكم وتعتمدوا عليه في كل أموركم، فهو سبحانه نعم المولى لمن تولاه من عباده المؤمنين فحصل له مطلوبه، ونعم النصير لمن استنصره فدفع عنه المكروه، فتولوا ربكم يتول أمركم، واستنصروه ينصركم على عدوكم.
كل نفس لابد أن تذوق الموت لا محالة، فلا يغتر أحد بهذه الدنيا الزائلة، وسيرجع جميع الخلائق إلى ربهم ليجازيهم على أعمالهم، وإنما تمنحون ثواب أعمالكم وافية غير منقوصة يوم الجزاء، فمن نجاه الله من النار وتفضل عليه بالجنة فقد حصل على ما يرجو من الخير والفلاح، ونجا من الشر، وما الحياة الدنيا إلا متاع زائل فلا تغتروا بها.
وإذا رأيت -أيها الرسول- المشركين يتكلمون في آيات القرآن بالتكذيب والطعن والاستهزاء فابتعد عنهم، ولا تجالسهم في مجالسهم حتى يتكلموا في حديث آخر غير ما هم فيه من الاستهزاء والتكذيب، وإذا أنساك الشيطان فغفلت وجلست معهم ثم تذكرت فغادر مجلسهم، ولا تجلس مع هؤلاء القوم الظالمين لأنفسهم بتكذيب آيات ربهم والاستهزاء بها، -وهذا يشمل كل متكلم بمحرَّم أو فاعل له-.
لما مات آدم -عليه السلام- غسلته الملائكة بالماء وترًا، مرة واحدة، أو ثلاثة، أو خمسة، وشقوا له في جانب حفرة القبر شقًّا ودفنوه فيه، وقالوا: «هذه سُنَّةُ آدَمَ في وَلَدِه» أي: يُفعل بولد آدم ما فُعل بأبيهم من الغسل والدفن على الكيفية المذكورة، وإنما يلتزم بذلك المهديون من ولده.
كان أُسيد بن حُضير رضي الله عنه في ليلة من الليالي يقرأ القرآن في المكان الذي يخزن فيه التمر، وفرسه مربوطة بجانبه، وولده يحيى نائم بجواره، فلما قرأ تحركت فرسه واضطربت، فلما سكت سكنت، ثم قرأ مرة أخرى فتحركت فرسه واضطربت، وهكذا حدث ثلاث مرات، فخاف أسيد أن تدوس ابنه يحيى، فقطع القراءة وقام إلى فرسه لينظر ما السبب في حركتها واضطرابها، فرأى فوقه مثل السحابة فيها أشياء تشبه المصابيح، وإذا بها تصعد في السماء حتى لم يستطع رؤيتها، فذهب أسيد في الصباح إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكى له ما حدث له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مزيلًا لفزعه ومُعْلِمًا له بعلو مرتبته ومؤكدًا له فيما يزيد في طمأنينته: «اقرأ يا ابن حضير» ثلاث مرات للتأكيد، أي: ردِّد وداوم على القراءة التي سببت هذه الحالة العجيبة إشعارًا بأنه لا يتركها إن وقع له ذلك بعد في المستقبل، بل يستمر عليها لعظيم فضيلتها، ثم أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الملائكة كانت تستمِعُ لقراءة القرآن، ولو أنه قرأ إلى الصباح لأصبحت الملائكة يراها الناسُ ما تستترُ منهم.
موضوع الحديث شهود الملائكة غزوة بدر، وعلى رأسهم جبريل عليه السلام، حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى جبريل -عليه السلام- في غزوة بدر راكبًا على فرسه، عليه آلة الحرب من السلاح، ليقاتل مع المؤمنين، ويكون عوناً للنبي صلى الله عليه وسلم ومدداً له، ومؤيداً لأصحابه.
يخبر أنس بن مالك رضي الله عنه أنه رأى الغبار مرتفعًا في سكة بني غنم، وهم حي من الخزرج، من أثر جند الملائكة، ورئيسهم جبريل -عليه السلام-، حين ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال بني قُرَيْظَة. ورؤية الأثر لا يستلزم رؤية الملائكة، فقد يكون رآهم وقد لا يكون، ولا شك أنه إنما علم كونه موكب جبريل من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض غزواته سالمًا منتصرًا جاءته جارية سوداء فقالت له: يا رسول الله، إني كنت نذرت إن ردَّك الله من غزوتك سالمًا منصورًا أن أضرب قدامك وفي حضورك بالدف وأُغَنِّي. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كنت نذرتِ فأوفي بنذرك واضربي بالدف، وإن لم تكوني نذرت فلا تفعلي. فجعلت تضرب بالدف، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخل عمر ألقت الدف تحتها، ثم قعدت عليه؛ لتستره عن عمر هيبة له وخوفًا منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسًا وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف تحتها، ثم قعدت عليه. وتحريم المعازف مما أجمع عليه العلماء ودلت عليه نصوص كثيرة، ويستثنى منها الضرب بالدف في المناسبات للنساء، كالأعراس والعياد، وما ورد في هذا الحديث، وهو قدوم الغائب العزيز.
تحكي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رجلًا من اليهود من بني زريق يُسمَّى لبيد بن الأعصم سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخَّيل إليه أنه كان يفعل الشيء وهو لم يفعله، فلما كان ذات يوم وهو عندها، لم يكن صلى الله عليه وسلم مشتغلًا بها، بل بالدعاء وتكراره حتى يطلعه الله على حقيقة الأمر، ثم أخبرها صلى الله عليه وسلم أن الله أجابه فيما دعاه، وأنه أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجله، فقال أحدهما للآخر: «ما وجع الرجل؟» أي: النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «مطبوب» أي: مسحور، قال: «مَن طبه؟» أي: مَن سحره. قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أي شيء؟ أي ما الأشياء التي استعملها في السحر؟ قال: «في مِشْطٍ ومُشَاطة، وجُف طَلْع نخلة ذَكَر» أي: سحره في مشط، وبعض ما كان يخرج من رأسه عند تسريحه، والغشاء الذي يكون عليه طلع النخلة قال: وأين هو؟ قال: «في بئر ذروان» وهي بئر بالمدينة، فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه فاستخرجه، فرجع صلى الله عليه وسلم إلى عائشة، فأخبرها أن ماء البئر كان أحمر كالذي ينقع فيه الحناء، يعني: أنه تغير لرداءته أو لما خالطه مما أُلقي فيه، ورؤوس نخلها تشبه في كراهتها وقبح منظرها رؤوس الشياطين، قالت عائشة: «قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟» أي: أفلا أخرجت السحر وأشعته بين الناس وعلموا بما حَدَث؟ فقال صلى الله عليه وسلم : «قد عافاني الله، فكرِهتُ أن أُثَوِّرَ على الناس فيه شرًّا» أي: قد شفاني الله من السحر، وأكره إن أذعته بين الناس أن أفتح عليهم باب شر من تذكير المنافقين السحر وتعلمه ونحو ذلك فيؤذون المؤمنين وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسدة، فأمر صلى الله عليه وسلم بالبئر فدُفنت. وقد أنكر بعض الناس قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم زاعمين أنها تطعن في عصمته -صلى الله عليه وسلم؛ لاحتمال أن يخيَّل إليه أنه يرى جبريل وهو لم يره، وأنه يوحى إليه ولم يوح إليه بشيء، وهذا كله مردود فقد قام الدليل على عصمته -عليه الصلاة والسلام- فيما يبلغه عن الله وعلى عصمته في التبليغ، وما حصل له من ضرر السحر ليس نقصًا فيما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما يجوز عليه من سائر الأمراض والآفات، والسحر الذي حصل له شرحته الروايات الأخرى، وهو أنه كان يخيل إليه أنه أتى أهله وهو لم يفعل ذلك.
يخبر أبو جُمعة الأنصاري أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم عشرة نفر ومعهم معاذ بن جبل، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أحد أعظمُ منا أجرًا، فلقد آمنَّا بك -أي صدقناك تصديقًا جازمًا- واتبعناك؟ فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد سهل عليهم أمر الإيمان به واتباعه صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه بينهم يأتيهم بالوحي من السماء، ولكن هناك أناس أعظم منهم أجرًا، وهم الذين يأتون من بعد الصحابة يجدون كتابًا -وهو القرآن الكريم- فيؤمنون به ويعملون بما فيه، والمعنى أنهم خير منكم من هذه الحيثية، وأعظم أجرًا منكم فيها، وإن كنتم خيرًا منهم من جهات أخرى كالمسابقة والمشاهدة والمجاهدة، فليس في هذا الحديث دليل على أن غير الصحابة أفضل من الصحابة؛ لأن زيادة الأجر في بعض الأمور لا تدل على الأفضلية المطلقة، وأهل السنة على أن منزلة الصحبة لا تساويها منزلة، وأن كل صحابي هو أفضل من جميع مَن يأتي بعده من غير الصحابة.
يبين الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر وانتهى ما معهم من الماء فبشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يجدونه أمامهم، مما دعا القوم إلى أن يسرعوا ولا ينتظروا، حتى سبقوا النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الصحابة، وكان منهم أبو قتادة فكان الليل وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينعس وأبو قتادة يعضده حتى لا يقع عن الراحلة حتى انتبه له الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا له بالحفظ كما حفظه، ثم أخبره أن الناس سيختلفون في مكانه عليه الصلاة والسلام وأن أبا بكر وعمر سيخبرونهم بأنه خلفهم وأنهم إن أطاعوهم سيرشدوا، وهذا من علامات نبوته عليه الصلاة والسلام، ثم ناموا في الليل ولم يوقظهم إلا حر الشمس، فبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن من نام عن الصلاة دون تعمد تركها ليس بمفرط، بل هو معذور، ولكن المفرط من يدع وقت الصلاة يخرج دون أن يصليها، فلما مشى النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الذين معه وصلوا للقوم وقد كادوا يهلكون من العطش، فبشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم لن يهلكوا وسيشربوا جميعاً ودعا بإناء أبي قتادة الذي يستخدمه للوضوء وهو قدح صغير، وتوضأ فيه ودعا الناس للشرب منه، فشرب الناس كلهم حتى لم يبق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو قتادة رضي الله عنه، فشرب أبو قتادة بعد أن أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن على ساقي القوم أن يشرب آخرهم، وذلك من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم.
يخبر معاوية بن الحكم السُّلَمي رضي الله عنه عما حصل له عندما كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى صلوات الجماعة، إذ سَمع رجلا عَطَس فَحَمِد الله، فَبَادره رضي الله عنه : بقوله: (يَرحمك الله) على أصله، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : (إذا عَطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه يرحمك الله)، ولم يعلم رضي الله عنه أن استحباب تشميت العاطس إنما هو في غير الصلاة. "فَرَمَانِي القوم بأبْصَارهم" أي: أشاروا إليه بأبصارهم من غير كلام، ونظروا إليه نظر زَجر، إلا أنه رضي الله عنه لم يعلم سبب إنكارهم عليه، فما كان منه إلا أن خاطبهم بقوله: "وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ"، والمعنى: وافقدها لي فإني هَلكت. ما شَأنُكُم؟ أي: ما حالكم وأمركم."تنظرون إليَّ" أي: لماذا تنظرون إليَّ نظر الغَضَب؟. "فجعلوا يضربون بأيْدِيهم على أفْخَاذِهم" أي: أنهم زادوا في الإنكار عليه بضرب الأيدي على الأفخاذ، ففهم منهم أنهم يريدون منه أن يَسكت، وأن ينتهي عن الكلام، فَسَكت، "فلما رأيتهم يُصَمِّتُونَنِي لكنِّي سَكَتُّ" والمعنى: لما عرفت أنهم يأمرونني بالسكوت عن الكلام، عَجبت لجهلي بقبح ما ارتكبت، ومُبالغتهم في الإنكار علي وأردت أن أُخَاصِمهم، لكني سكت امتثالاً؛ لأنهم أعلم مني، ولم أعمل بمقتضى غضبي، ولم أسأل عن السبب. "فلما صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي: انتهى وفرغ من صلاته. "فَبِأَبِي هو وأمِّي" أي: مُفَدَّى بأبي وأمِّي، وهذا ليس بقسم، وإنما هي تَفدية بالأب والأم. "ما رأيت معَلِّما قَبْلَه ولا بَعده أحْسَن تَعليما منه"؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعنفه ولم ينهره، بل بَيَّن له الحكم الشرعي بطريقة أدعى للقبول والإذعان. "فوالله، ما كَهَرَنِي" لم ينهَرني ولم يغلظ عليَّ بالقول. "وَلَا ضَرَبني" لم يؤدبني بالضرب على ما اقترفته من مخالفة. "وَلَا شَتَمَنِي" ما أغلظ علي بالقول بل بَيَّن لي الحكم الشرعي بِرفق، حيث قال لي: "إن هذه الصلاة لا يَصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التَّسبيح والتَّكبير وقراءة القرآن"، يعني: لا يحل في الصلاة كلام الناس الذي هو التَّخاطب فيما بينهم وقد كان ذلك سَائغا في أول الإسلام ثم نسخ، وإنما الذي في الصلاة: التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. "قلت: يا رسول الله، إنِّي حديث عَهد بِجَاهلية" يعني: قريب عهد بجاهلية، والجاهلية: تُطلق على ما قبل ورود الشَّرع سُموا جاهلية؛ لكثرة جهالاتهم وفُحْشِهم. "وقد جاء الله بالإسلام" يعني: انتقلت عن الكفر إلى الإسلام، ولم أعرف بعد أحكام الدِّين. "وإن مِنَّا رجَالا يَأتون الكُهَّان" أي: إن من أصحابه من يَأتي الكُهان، ويسألهم عن أمور غيبية تحدث في المستقبل. "فقال: فلا تَأْتِهِم" وإنما نُهي عن إتيان الكُهان؛ لأنهم يتكلمون في أمور غيبية قد يصادف بعضها الإصابة فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك؛ لأنهم يلبِّسون على الناس كثيرا من أمر الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكُهان وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يعطون من الحلوان. "قال: ومِنَّا رجَال يَتَطَيَّرُونَ"، التَّطير : التَّشاؤم بِمرئي، أو مسموع، أو زمان، أو مكان. وكانت العرب معروفة بالتَّطير، حتى لو أراد الإنسان منهم خيرًا، ثم رأى الطَّير ذهبت يمينًا أو شمالًا حسب ما كان معروفًا عندهم، تجده يتأخر عن هذا الذي أراده، ومنهم من إذا سمع صوتًا أو رأى شخصًا تشاءم، ومنهم من يتشاءم من شهر شوال بالنسبة للنكاح، ومنهم من يتشاءم بيوم الأربعاء، أو بشهر صفر، وهذا كله مما أبطله الشرع؛ لضرره على الإنسان عقلًا وتفكيرًا وسلوكًا، وكون الإنسان لا يبالي بهذه الأمور، هذا هو التوكل على الله. "قال: ذَاك شَيء يَجِدونه في صُدورهم، فلا يَصُدَّنَّهُمْ" الطِّيَرة شيء يجدونه في نفوسهم ضرورة، ولا عَتب عليهم في ذلك؛ فإنه غير مُكتسب لهم فلا تَكليف به، ولكن لا يمتنعوا بسببه من التَّصرف في أمورهم، فهذا هو الذي يَقدرون عليه وهو مُكتسب لهم، فيقع به التَّكليف، فنهاهم النبي -عليه الصلاة والسلام- عن العمل بالطِّيرة، والامتناع من تصرفاتهم بسببها، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النَّهي عن التَّطير، والطِّيرة هنا: محمولة على العمل بها، لا على ما يجده الإنسان في نفسه من غير عمل على مقتضاه عندهم. "قال قلت: ومِنَّا رجال يَخُطُّونَ"، الخَط عند العرب: أن يأتي الرَّجُل العرَّاف وبَين يديه غُلام، فيأمره بأن يَخُط في الرَّمْل خطوطا كثيرة، ثم يأمره أن يَمحو منها اثنين اثنين، ثم ينظر إلى آخر ما يبقى من تلك الخطوط، فإن كان الباقي منها زوجًا؛ فهو دليل الفلاح والظَّفر، وإن كان فردا؛ فهو دليل الخَيبة واليأس. "قال: كان نَبِي من الأنبياء يَخُطُّ"، أي: يضرب خطوطا كخطوط الرَّمْل فيعرف الأمور بالفراسة بتوسط تلك الخطوط، وقيل هو إدريس أو دانيال -عليهما الصلاة والسلام-. "فمن وافق خَطَه" أي: خط ذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- "فَذَاك" أي: من وافق خط ذاك النبي فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح، والمقصود أنه حرام؛ لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها، ويحتمل: أن هذا نُسخ في شَرعِنا، ويحتمل: أن يكون إباحة الخط؛ علما لنبوة ذاك النبي، وقد انقطعت فنهينا عن تعاطي ذلك، فالحديث يدل على تحريم العمل بعلم الخَط، لا على جوازه، كما يدل على بطلان طريقة الناس في علم الرَّمْل وفسادها؛ لأن الموافقة تقتضي العلم به، والعلم يكون بأحد طريقين: أحدهما: النَّص الصريح الصحيح في بيان كيفية هذا العلم. والثاني: النقل المتواتر من زمن ذلك النبي إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكلا الأمرين منتفٍ. وينبغي أن يعلم في هذا المقام أن الأنبياء لا يدعون علم الغيب، ولا يخبرون الناس أنهم يعلمون الغيب، وما أخبروا الناس به من الغيب إنما هو من إيحاء الله إليهم فلا يَنسبونه إلى أنفسهم، كما قال الله تعالى : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) [الجن 26، 27]؛ لأن الغيب مما اختص الله بعلمه، فلا يَدَّعيه أحدٌ لنفسه إلا كان مُدَّعياً لبعض خصائص الربوبية، وهذا ما يفعله أرباب هذه الصِّناعة، فظهر بهذا دَجل هؤلاء في دعوى أن هذا النبي الكريم معلم لهم. "قال: وكانت لي جَارية تَرعى غَنَما لي قِبَل أُحُدٍ والْجَوَّانِيَّةِ"، يعني: كانت له جارية تَرعى غَنمه في موضع قريب من جَبل أُحدٍ. "فَاطَّلَعْتُ ذات يوم فإذا الذِّيب قد ذهب بِشَاة من غَنَمِهَا" يعني: علم أن الذئب قد افترس شاة من الشِّياه، والغنم له لكنه قال: (غنمها) أي: التي تقوم هي برعايتها. "وأنا رجُلٌ من بَني آدم، آسَف كما يَأْسَفُونَ" الأسف: الغَضب، والمعنى: أنني غضبت عليها بسبب أكل الذِّئب لشاة من الشِّياه؛ فأردت أن أضربها ضربا شديدا على ما هو مقتضى الغَضب. "لكني صَكَكْتُهَا صَكَّة" إلا أنني لم أفعل، بل اقتصرت على أن لطمتها لطْمَة، "فَأَتَيْت رسول الله صلى الله عليه وسلم فَعظَّم ذلك عليَّ"، بعد أن لطَمها جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بالقصة، فأكْبَر لطْمَه إياها، أي: أعْظَمه. فلما رأى معاوية بن الحكم السُّلَمي رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم قد تَأثر من فعله ذلك، وأخذ في نَفسه، قال: "قلت: يا رسول الله أفلا أُعْتِقُهَا؟" يعني: أُحررها من العبودية جراء ضَربي إياها، قال: «ائْتِنِي بها» فَأَتَيْتُهُ بها، فقال لها: «أَيْن الله؟» أي: أين المَعبود المستحق الموصوف بصفات الكمال؟. وفي رواية: (أين رَبُّك؟) فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد بهذا السؤال التأكد أنها موحدة، فخاطبها بما يُفهم قصده؛ إذ علامة الموحدين اعتقادهم أن الله في السماء. "قالت: في السَّماء" ومعنى في السماء: العلو، وأنه سبحانه فوق كل شيء وفوق عَرشه الذي هو سقف المخلوقات. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أَعْتِقْهَا، فَإِنها مُؤْمِنَةٌ». فلما شَهِدت بعلو الله تعالى وبرسالته صلى الله عليه وسلم أمر بِعتقها؛ لأن ذلك دليل على إيمانها وسلامة معتقدها.