الاقسام
اكتشف مجموعتنا المتنوعة من التصنيفات التي تغطي مواضيع متعددة لتلبية اهتماماتك المختلفةبطاقات دعوية تُبرز معانٍ عظيمة لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بأسلوب يسير وعرض جذاب تعين المسلم على فهم أعمق لدينه بطريقة يسيرة
﴿ فَلَمَّا جَآءَ سُلَيۡمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ ﴾
سورة النمل
وهيأت ملكة سبأ الهدية الثمينة لسليمان عليه السلام وأرسلتها مع من اختارتهم من قومها لهذه المهمة، فلمَّا جاء رسول الملكة ومن معه من أعوانه يحملون هديَّة ملكتهم إلى سليمان، قال مستنكرًا إرسال الهدية متحدثًا بأَنْعُمِ الله عليه: أتقدمون إلى هذا المال تَرْضيةً لي لأكف عن دعوتكم لعبادة الله وترك عبادة غيره، كلا لن ألتفت إلى هديتكم، فما أعطاني الله من النبوة والملك الواسع والمال الكثير خير مما أعطاكم، بل أنتم من تفرحون بالهدية التي تُهدى إليكم من حطام الدنيا الزائل، فأنا في غنى عن هداياكم ولا يهمني إلا إيمانكم.
﴿ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ ﴾
سورة العصر
إلا الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله ﷺ وعملوا الأعمال الصالحة، وأوصى بعضهم بعضًا برفق؛ بالتمسك بالحق، الذي على رأسه الثبات على الإيمان، وعلى العمل الصالح الذي جاء به الشرع، والصبر على الطاعة، وعلى المصائب والابتلاءات التي لا تخلو منها الحياة الدنيا.
﴿ فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجۡرٗا ﴾
سورة الصافات
وأقسم بالملائكة التي تزجر السحاب وتسوقه بأمر الله إلى الجهات التي كلفهم الله بدفعه إليها، لينزل حيث يشاء الله له أن ينزل.
﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا ﴾
سورة الفرقان
ومثل ما لقيت -أيها الرسول- من مجرمي قومك من التكذيب العداوة والإيذاء؛ كذلك جعلنا لكل نبيٍّ من الأنبياء قبلك عدوًا من مجرمي قومه، فاصبر كما صبروا، وكفى بربك مُرشدًا لك فيحصل لك مصالح دينك ودنياك، ونصيرًا ينصرك على أعدائك كما نصر من سبقك من المرسلين على أعدائهم فاعتمد عليه وحده.
﴿ أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ﴾
سورة البقرة
بل تقولون كذبًا: إن هؤلاء الأنبياء إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، والأنبياء من أولاد يعقوب عليهم السلام، كانوا على دينكم فأنتم أولى بهم من المسلمين، وقد برأهم الله من كونهم كانوا على دين اليهود أو النصارى، أفأنتم أعلم أم الله؟ إذ هم بُعثوا وماتوا قبل نزول التوراة والإنجيل، وقد كانوا مسلمين، ولا أحد أشد ظلمًا ممن كتم الحق فلم يظهره، فكتمَ دين الأنبياء الذي هو الإسلام وكتمَ نبوة محمد ﷺ، وأهلُ الكتاب يعلمون أنه رسول الله، ولا يخفى على الله ظلمهم، ولن يترك عقوبتهم على أعمالهم السيئة.
﴿ أَمۡ لَهُمۡ سُلَّمٞ يَسۡتَمِعُونَ فِيهِۖ فَلۡيَأۡتِ مُسۡتَمِعُهُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ﴾
سورة الطور
أم لهم سُلَّم يصعدون بواسطته إلى السماء، ليستمعوا إلى وحينا، ومن هذا الوحي الذي سمعوه علموا أن الذي هم عليه حق؟ إن كان أمرهم كذلك فليأتِ مَن يزعم أنه استمع منهم إلى ذلك بحجة واضحة تُصدِّق دعواه من أنهم على الحق.
﴿ أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ ﴾
سورة الشرح
لقد وسع الله لك صدرك فجعله راضيًا منبسطًا، وجعله محلًا صالحًا قابلًا للإيمان والحكمة، وأودعنا فيه من الهدى والإيمان والفضائل والحكم ما لم نعطه لأحد سواك.
﴿ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ وَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ﴾
سورة النمل
أولئك الذين لم يؤمنوا بالآخرة لهم أشد العذاب وأسوأه الذي يذلهم ويؤلمهم في الدنيا قتلًا وهزيمةً وأَسْرًا، وهم في الآخرة أكثر الناس خُسرانًا، حيث يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بدخولهم إلى النار.
﴿ قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرۡتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾
سورة الأحقاف
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين الكافرين بالقرآن: أخبروني إن كان هذا القرآن الذي أوحاه الله إليّ منزلًا من عنده وكفرتم به، فما ظنكم أن الله صانع بكم إن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به قد أنزله عليَّ لأبلغكموه، وقد كفرتم به وكذبتموه؟ وقد شهدت بصدقه وصحته الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء قبلي، بشرت به وأخبرت بمثل ما أخبر هذا القرآن به، وشهد على صحته الموفقون من أهل الكتاب الذين عندهم من الحق ما يعرفون أنه الحق، فآمنوا به واهتدوا، واستكبرتم عن الإيمان به، فهل هذا إلا أعظم الظلم وأشد الكفر؟ إذا كان الأمر كما ذكرنا ومع ذلك لم تؤمنوا فقد كفرتم وظلمتم، وإن الله لا يوفِّق القوم الذين ظلموا أنفسهم بالكفر به والإعراض عن شرعه إلى الهدى والحق؛ لاستحبابهم الظلم على العدل، والعمى على الهدى.
﴿ وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ﴾
سورة الأعراف
ووزن أعمال الناس يوم القيامة حق ثابت، ويكون بميزان حقيقي، بالعدل الذي لا جور معه، ولا ظلم فيه، فمن رجحت كفة حسناته؛ لكثرتها على كفة سيئاته؛ فأولئك هم الفائزون برضوان الله وجنته.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أَنْفَقَتِ المرأة من طعام بيتها غيرَ مُفْسِدَةٍ كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئًا».
متفق عليه
بيّن النبي صلى الله عليه وسلم حكم أن تتصدق المرأة من بيتها، مما يُحضِره زوجها للبيت، فأخبر أن المرأة إذا تصدقت من طعام البيت وعلمت أن الزوج لا يمنع من ذلك، حال كونها غير مفسدة له بعدم تجاوز العادة، وعدم التعدي إلى الكثرة المؤدية إلى النقص الظاهر ففعلها صحيح، وقيِّد بالطعام لأن الزوج يسمح به عادةً، بخلاف الدراهم والدنانير فإن إنفاقها منها بغير إذنه لا يجوز، فلو اضطربت العادة أو شكَّت في رضاه أو كان شحيحًا يشح بذلك وعلمت ذلك من حاله حرم عليها التصدق من ماله إلا بصريح إذنه، فإذا فعلت ذلك كان لها أجرها بسبب إنفاقها غيرَ مُفسِدة، وكان لزوجها أجر بسبب كسبه وتحصيله، وللشخص الذي يكون بيده حفظ الطعام المتصدق منه، كالخادم، مثل أجرها، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا. والمعنى أن المشارك في الطاعة مشارك في أجرها، ومعنى المشارك أن له أجرًا كما لصاحبه أجر، وليس معناه أن يزاحمه في أجره.
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سَبَقَ درهمٌ مائةَ ألفِ درهمٍ» قالوا: وكيف؟ قال: «كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عُرْض ماله، فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق بها».
رواه النسائي
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: زاد أجر درهم واحد وتقدم ثوابه على أجر وثواب مائة ألف درهم، مع أنه أقل في العدد بكثير؛ لأكن ميزان الحسنات والسيئات لا يعتمد على العدد فقط، لذلك قال الصحابة الحاضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما حدث بهذا الحديث: وكيف يسبق درهم واحد مع قلته مائة ألف درهم مع كثرتها؟ فبيَّن صلى الله عليه وسلم سبب سبق الدرهم الواحد على هذه الدراهم الكثيرة أنه كان لرجل درهمان فقط، فتصدق بأحدهما وأبقى الآخر لأهله. ورجل آخر ذهب إلى جانب ماله، وفيه إشارة إلى كثرة ماله، فتصدق منه بمائة ألف درهم، وإنما كانت صدقة المقل أفضل من صدقة الغني؛ لأن الفقير يتصدق بما هو محتاج إليه، بخلاف الغني، فإنه يتصدق بفضول ماله.
عن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: "جُهْدُ المُقِلِّ، وابدأ بمن تَعُول".
رواه أبو داود
بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الصدقات، عندما سأله عن ذلك أبو هريرة رضي الله عنه، فقال عليه الصلاة والسلام: (جهد المقل) وهو قدر الاستطاعة وما يمكن إخراجه من الشخص القليل المال أو الضعيف الدخل، فالصدقة قدر الوسع ولو كانت يسيرة هي ممن قَلَّ ماله كثيرةٌ بالنسبة لما يملك، وهذا بخلاف الإنسان الذي عنده المال الكثير، ويخرج من ماله شيئًا قليلًا، فإنها بالنسبة لما يبقي تكون قليلة، ثم قال: وابدأ بمن هم تحت رعايتك، فالإنسان يبدأ في النفقة بمن يعوله كالزوجة، والأولاد وأحيانًا الوالدين؛ لأنهم أولى بالمعروف والبِر والإحسان.
عن أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي مات وترك مالًا، ولم يوص، فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: «نعم».
رواه مسلم
سأل رجلٌ النبي صلى الله عليه وسلم عن مالٍ تركه أبوه ومات، ولم يكتب وصيَّةً، فسأل النبي هل يمحو عنه ذنوبه إذا تصدقت عنه؟ فأجابه بالموافقة، كما قال السائل الآخر في حق أمه: أفلها أجر؟ ويحتمل أن يكون ذلك في الوقت الذي كانت فيه الوصية واجبة، ويكون التكفير لترك الوصية، ثم نُسخ وجوبها على الجميع إلا من كان عليه حق.
عن أم بجيد، وكانت ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنها قالت: يا رسول الله، إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد له شيئًا أعطيه إياه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إلم تجدي له شيئًا تعطيه إياه إلا ظِلْفًا مُحْرَقًا فادفعيه إليه في يده".
رواه أبو داود والترمذي والنسائي
روت أم بجيد وكانت ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنها سألت النبي عليه الصلاة والسلام عن المسكين يقف على بابها ويسأل، فلا تجد شيئًا تعطيه له، فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم أنه إلم تجدي شيئًا لتعطيه إلا حافرًا محروقًا من بقرٍ أو شاةٍ، فادفعيه له في يده، أي تصدقي بما تيسر، وإن قل، ولا تجعلي السائل محرومًا، بل أعطوه ولو كان شيئًا يسيرًا. ففي هذا الحديث أن السائل يُعطى ولو كان المعطى شيئًا يسيرًا، كما قال تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ}، فهو يعطي على حسب ما عنده، ولو لم يكن إلا تمرة كما قال صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بِشِقِّ تمرة» متفق عليه.
عن عوف بن مالك قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، وبيده عصا، وقد علق رجل قِنًا حَشَفًا، فطعن بالعصا في ذلك القِنْو، وقال: "لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها" وقال: "إن رب هذه الصدقة يأكل الحشف يوم القيامة".
رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه
روى عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وبيده عصا، وهناك قنو معلق في المسجد صدقة لمن يريد أن يأكل منه، وكان ذلك القنو حشفًا، والحشف هو التمر الرديء الذي صار يابسًا، فالرسول صلى الله عليه وسلم طعن بالعصا فيه وقال: لو أراد صاحب هذه الصدقة أن يتصدق بأطيب منها لفعل، وهذا فيه إرشاد وتنبيه إلى التصدق بالأجود والأفضل؛ لأن العبد يقدمه لنفسه في الآخرة، قال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، لكن إذا كان الإنسان كل ما عنده من هذا القبيل فهو معذور، {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}، لكن إذا كان عنده ما هو خير من ذلك فالأولى للإنسان أن يتصدق بما هو خير، ولا يتصدق بما هو سيئ ورديء. ثم قال صلى الله عليه وسلم: إن صاحب هذه الصدقة يأكل الحشف يوم القيامة، ومعنى هذا أن أجره على قدر العمل، فإذا كان عمله قليلًا ضعيفًا فإنه يحصِّل أجرًا قليلًا على قدر عمله، وقيل: إنه يأكل ذلك النوع في الجنة حقيقة، والله تعالى أعلم.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مُزْعَة لحم».
متفق عليه
هذ الحديث فيه الوعيد الشديد لمن يكثر من سؤال الناس أموالهم بدون حاجة، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه ما يزال الرجل يسأل الناس أي يطلب منهم أن يعطوه من أموالهم تكثرًا وهو غني، حتى يجيء يوم القيامة وما في وجهه قطعة يسيرة من لحم، بل كله عظم من شدة العذاب الذي يصيبه، وخَصَّ الوجه لأن الجزاء من جنس العمل، لكونه أذل وجهه بالسؤال، أو أنه يأتي ساقطَ القدر والجاه، فالذي يبذل وجهه لغير الله في الدنيا من غير بأس وضرورة، بل للتوسع والتكثر: يصيبه شَينٌ في وجهه، بإذهاب اللحم عنه.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن سأل الناس أموالهم تكثُّرًا فإنما يسأل جمرًا فليَستقلَّ أو ليستكثرْ».
رواه مسلم
في هذا الحديث بيان عاقبة مَن يسأل الناسَ أموالَهم بدون حاجةٍ، فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من طلب من الناس شيئًا من أموالهم استكثارًا منها من غيرِ حاجةٍ ولا ضرورةٍ فإنما يسأل قطعةً من نار جهنم؛ يعني أن ما أخذه سببٌ للعقاب بالنار، وقوله: فليستقل أو ليستكثر، أي من ذلك الجمر، وهو أمر على جهة التهديد.
عن قَبِيصة بن مُخَارق الهلالي قال: تحمَّلت حَمَالةً، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال: "أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها" ثم قال: "يا قَبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحَلَّت له المسألة حتى يُصيبها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قِوَامًا من عيش -أو قال سدادًا من عيش-، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش -أو قال سدادًا من عيش-، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتًا يأكلها صاحبها سحتًا".
رواه مسلم
كانت العرب إذا وقعت بينهم ثائرة بين قبيلتين وحصل بسببها قتلى في الطرفين قام أحدهم فتبرع بالتزام الديات للطرفين، حتى ترتفع تلك الثائرة، وتسمى الحمالة، ولا شك أن هذا من مكارم الأخلاق، ولا يصدر مثله إلا عن سادات الناس وخيارهم، وكانت العرب لكرمها إذا علمت بأن أحدًا تحمَّل حَمالةً بادروا إلى معونته، وأعطوه حتى تبرأ به ذمته مما التزمه بسبب الصلح، ولو سأل المتحمِّل في تلك الحمالة لم يُعَدَّ ذلك نقصًا، بل شرفا وفخرا، ولذلك سأل هذا الصحابي رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في حمالته التي تحملها على عاداتهم، فأجابه صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بحكم المعونة على المَكرُمة، ووعده النبي صلى الله عليه وسلم بمالٍ من الصدقة؛ لأنه غارم من جملة الغارمين المذكورين في آية الصدقات. ثم بيَّن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن المسألة لا تحل إلا لثلاثة أنواع: الأول: رجل تحمل حمالة، فجاز له سؤال الناس حتى ينال من المال ما يقضي به تلك الحمالة، ثم يترك مسألة الناس؛ لانقضاء سبب حل مسألتهم، وهو تحمله الحمالة، فلما أصاب حاجته ارتفعت الإباحة، فيجب أن يمسك عنها. والثاني: رجل أصابته آفة اجتاحت ماله وأتلفته إتلافًا ظاهرًا، كالسيل والمطر والحرق والسرق وغلبة العدو، وغير ذلك مما يكون إتلافه للمال ظاهرا، فتحل له المسألة حتى يجد ما يقوم به العيش. والثالث: رجل أصابه فقرٌ، فيقوم ثلاثةٌ من عقلاء قومه فيقولون: لقد أصابت فلانًا فاقة، ولعله عبَّر به عما يشترط في المخبر والشاهد من الأمور التي توجب الثقة بأقوالهم، ويكون الموصوف بها عدلًا مرضيًّا. وقوله: من قومه؛ لأنهم أعلم بحقيقة أمره، ولم يحتج فيمن أصابته الجائحة إلى مثل هذا؛ لظهور أمر الجائحة، فأما الفاقة فتخفى. ما سوى هؤلاء الثلاثة من المسألة حرام، يأكلها صاحبها وهي حرامٌ عليه.
عن عبيد الله بن عدي بن الخِيار قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفَّع فينا البصر وخفَّضه، فرآنا جَْلدين، فقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظَّ فيها لغنيٍّ ولا لقويٍّ مكتسب".
رواه أبو داود والنسائي
جاء رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة، فسألاه من الصدقة، فأطال فيهما نظره، ليتعرف هل هما مستحقان للصدقة، أم لا؟ فرآهما رجلين قويين، فقال: إن أردتما أعطيتكما من الصدقة، ولا نصيب في الصدقة لصاحب مالٍ يخرج به من حدِّ الفقر، ولا لقادر على كسب كفايته، وإن لم يكن له مال يعد به غنيًا، فكأنه قال: لا أعطيكما؛ لأنها حرام على القوي المكتسب، فإن رضيتما بأكل الحرام أعطيتكما، قاله توبيخًا. وفيه أنه قد يكون من الناس من يرجع إلى قوة بدنه، ويكون مع ذلك أخرق اليد، لا يعمل، فمن كان هذا سبيله لم يمنع الصدقة بدلالة الحديث.
كل الكمال والخير في اتباع منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، علماً وعملاً.
هدايات لشرح رياض الصالحين