





























الاقسام
اكتشف مجموعتنا المتنوعة من التصنيفات التي تغطي مواضيع متعددة لتلبية اهتماماتك المختلفةبطاقات دعوية تُبرز معانٍ عظيمة لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بأسلوب يسير وعرض جذاب تعين المسلم على فهم أعمق لدينه بطريقة يسيرة
﴿ تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ﴾
سورة المائدةتجد -أيها الرسول- وتشاهد كثيرًا من هؤلاء اليهود يحبون أهل الكفر ويميلون إليهم وينصرونهم ويعادون المؤمنين؛ بسبب كراهتهم للإسلام والمسلمين، لبئس ما عملوه من نصرة الكافرين وتركهم نصرة المؤمنين التي كانت سببًا في غضب الله عليهم، وإدخاله إياهم نار جهنم، وخلودهم فيها فلا يخرجون منها أبدًا.
﴿ ۞ وَيَسۡتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَۖ قُلۡ إِي وَرَبِّيٓ إِنَّهُۥ لَحَقّٞۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ﴾
سورة يونسويستخبرك -أيها الرسول- هؤلاء المشركون المكذبون من قومك على سبيل الاستهزاء: أهذا العذاب الذي وعدتنا به أهو حق واقع بنا على سبيل الحقيقة، أم ما تحدثنا به على سبيل التهديد؟ قل لهم -أيها الرسول-: نعم وربي إن العذاب الذي أخبرتكم به لحق لا شك فيه إذا أراد الله أن ينزله بكم في أي وقت يريده، وما أنتم بناجين منه، فأنتم في سلطان الله وملكه وهو قادر عليكم.
﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ ٱلۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا ﴾
سورة الجنوأنَّا كنَّا قبل مبعث النبي ﷺ نتخذ مواضع من السماء نستمع من الملائكة أخبار السماء، فنخبر بها الكهنة، فمن يحاول السماع الآن بعد نزول القرآن يجد له شهابًا من نار مشتعلة معدة له، يُرمى بها فتحرقه وتهلكه، وهذا له شأن عظيم، ونبأ جسيم.
﴿ ٱنطَلِقُوٓاْ إِلَىٰ ظِلّٖ ذِي ثَلَٰثِ شُعَبٖ ﴾
سورة المرسلاتانطلقوا فاستظلوا بدخان جهنم الذي يتصاعد من وقودها، ثم يتفرع منه ثلاث فرق عظيمة.
﴿ وَلَئِنۡ أَتَيۡتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٖ مَّا تَبِعُواْ قِبۡلَتَكَۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ وَمَا بَعۡضُهُم بِتَابِعٖ قِبۡلَةَ بَعۡضٖۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ إِنَّكَ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾
سورة البقرةولئن أتيت -أيها النبي- اليهود والنصارى بكل البراهين والدلائل التي توضح أن تحويل القبلة من أمر الله، لن يرجعوا إلى الحق وإلى قبلتك عنادًا منهم، وما أنت براجع إلى قبلتهم مرة أخرى، وهم مختلفون فيما بينهم لا يتبع بعضهم قبلة بعض، فكل منهم يكفر الآخر، ولئِن اتبعت أهواءهم التي يدعونك إليها ومنها شأن القبلة، بعد الوحي الذي أنزل إليك فأخبرك أنك على الهدى والحق وهم على الضلال والباطل، إنك إن فعلت ذلك واتبعتهم تكن مثلهم من الظالمين لأنفسهم المستحقين للعذاب.
﴿ وَفَٰكِهَةٗ وَأَبّٗا ﴾
سورة عبسوأنبتنا فيها فاكهة يأكلها الناس، وأنبتنا فيها ما ترعاه البهائم.
﴿ ثُمَّ دَمَّرۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ﴾
سورة الصافاتثم أهلكنا الباقين من قومه، المكذبين لرسالته، المعارضين لدعوته، الذين لم يتركوا ما يفعلون من الفواحش.
﴿ رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ﴾
سورة الصافاتربِّ أعطني ولدًا صالحًا يكون عِوضًا لي عن قومي وعونًا لي في الغربة أستعين به على نشر دعوتك، وعلى إعلاء كلمتك.
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ﴾
سورة آل عمرانيا من آمنتم بالله وصدقتم برسله واتبعتم شرعه، لا تأمنوا جانب غير المؤمنين فتتخذوهم أخلاء وأصفياء فتطلعوهم على أسراركم، فهم لا يقصرون في الإضرار بكم وإفسادكم ومساعدة الأعداء عليكم، وهم يفرحون بما يصيبكم من ضرر ومكروه، قد ظهرت دلائل عداوتهم من خلال كلامهم، وذلك بالطعن في دينكم والوقيعة بينكم وإفشاء أسراركم، وما تخفيه صدورهم من العداوة والبغضاء أعظم، قد بينَّا لكم -أيها المؤمنون- البراهين الواضحة التي تعرفون بها أعداءكم، وتميزون عن طريقها بين الصديق وبين العدو؛ لتحذروا وتتعظوا، إن كنتم تعقلون عن ربكم مواعظه وأوامره ونواهيه.
عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب من حريرٍ، فجعلوا يعجبون من حُسْنِه ولِيْنِه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أفضل من هذا».
متفق عليهأُهدي للنبي صلى الله عليه وسلم ثوب من حرير، فجعل الصحابة يتعجبون من جمال الثوب وليونة ملمسه، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير وأفضل من هذا الثوب الذي تتعجبون منه، وأخبرهم بذلك ليزهدهم عن الدنيا، ويرغبهم في الآخرة، ويقع هذا الوصف في قلوبهم فيحببهم للجنة، وإنما خص المناديل بالذكر لكونها تمتهن فيكون ما فوقها أعلى منها بطريق الأولى. وفيه إشارة إلى منزلة سعد رضي الله عنه في الجنة، ولا يُعرف بالجزم سبب ذكره لسعد بن معاذ رضي الله عنه، والتمس أهل العلم احتمالات لذلك، فقالوا: لعل منديله كان من جنس ذلك الثوب أو مثل لونه، أو كان الوقت يقتضي استمالة سعد، أو كان اللامسون المتعجبون من الأنصار، فقال: منديل سيدكم خير منها، أو كان سعد يحب ذلك الجنس من الثياب، أو قاله لبيان منزلة سعد رضي الله عنه.
عن أنس عن أم سُلَيم أنها قالت: يا رسول الله، أنس خادمك، ادع الله له، قال: «اللهم أكثر مالَه وولدَه، وبارك له فيما أعطيتَه».
متفق عليهطلبت أم سُلَيم الرميصاء وهي أم أنس رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لابنها أنس، وهو خادمه عليه الصلاة والسلام، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بأن يُكثّر الله ماله وولده، وأن يبارك له فيما يرزقه من مال وولد، وقد استجاب الله دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام، فكثر ماله وكان له بالبصرة بستان يثمر في السنة مرتين، وكان فيه ريحان ريحه ريح المسك، وكان له أكثر من مائة وعشرين ولدًا من صلبه، دون ولد ولده، وقيل إنه كان يطوف بالكعبة ومعه من ذريته أكثر من سبعين نفسًا وطال عمره، وهذا حجة على جواز الدعاء بتكثير المال والولد، وكذلك الدعاء بالبركة والاجتهاد في كفاية الفتنة، وبذلك كمل لأنس خير الدنيا والآخرة، ومن يقول بأنه لا يسأل الله الدنيا مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، الذي جاء بإصلاح الدنيا والآخرة، فإن الدنيا وسيلة الآخرة لمن وفقه الله وهداه، وهذا الحديث علم من أعلام نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه استجيب له في أنس فكثر ماله وولده.
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال وهو مستقبل المشرق: «ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان».
متفق عليهأخبر ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو متجه إلى جهة المشرق قال: من هنا تظهر الفتنة، وكررها ثلاث مرات للتأكيد، وأضاف وصفًا أنه من حيث يطلع قرن الشيطان، أي أن الشيطان يقرن رأسه بالشمس عند طلوعها؛ ليقع سجود عبدتها له، ويحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان، وما يستعين به على الإضلال، ويحتمل أن يكون للشمس شيطان تطلع الشمس بين قرنيه. ومن الفتن التي ظهرت في هذه الجهة ردة بني حنيفة في عهد أبي بكر رضي الله عنه، وما حصل من معارك الردة، ومن الفتن التي ستظهر فتنة المسيح الدجال، الذي سيتبعه سبعون ألفًا من يهود أصبهان، عليهم الطيالسة، رواه مسلم.
عن حذيفة بن اليمان قال: إن المنافقين اليومَ شرٌّ منهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا يومئذٍ يُسِرُّون واليومَ يَجهرون.
رواه البخاريأخبر حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وهو صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم أن المنافقين اليوم أكثر شرًا من المنافقين الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كانوا شرًا ممن قبلهم لأن الماضين كانوا يسرون قولهم فلا يتعدى شرهم إلى غيرهم، وأما الآخرون فصاروا يجهرون بالخروج على الأئمة ويوقعون الشر بين الفرق فيتعدى ضررهم لغيرهم، وكأنه يقصد الفتنة التي حصلت بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنهم جهروا في وقت الخروج على عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ لأن وفاة حذيفة كانت سنة 36.
عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغُوطة، إلى جانب مدينةٍ يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشام".
رواه أبو داودأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ملجأ المسلمين وحصنهم الذي يتحصنون به من الفتن في المعركة التي تكون قبيل الساعة سيكون في موضع بالشام كثير الماء والشجر، وهي غوطة دمشق، بالقرب من مدينة دمشق، وأخبر عليه الصلاة والسلام أنها من خير مدن الشام. وهذا الحديث يدل على فضيلة دمشق، وعلى فضيلة سكناها في آخر الزمان، ومن فضائلها ما شهد به قوله: من خير مدائن الشام.
عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرَّتْ عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه مُنذِرُ جيشٍ يقول: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقول: «بُعثتُ أنا والساعةُ كهاتين»، ويقرن بين إصبعيه السبابة، والوسطى، ويقول: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» ثم يقول: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضَياعًا فإليَّ وعليَّ».
رواه مسلمكان سول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب أصبحت عيناه حمراء، وارتفع صوته، واشتد غضبه، وإنما يفعل ذلك؛ إزالة للغفلة من قلوب الناس؛ حتى يتمكن فيها الوعظ ويؤثر فيها، أو لأنه يتوجه فكره إلى الموعظة، فتظهر عليه آثار الهيبة الإلهية، واستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته وكلامه، كمن ينذر قومًا من قرب جيش عظيم قصد الإغارة عليهم، يقول ذلك المنذر: نزل بكم العدو صباحًا أو مساءً، والمراد أنه سينزل، وعبر بصيغة الماضي؛ لتحققه، فهو ينذرهم بإغارة الجيش في الصباح والمساء، ويقول عليه الصلاة والسلام: بعثت أنا والساعة مثل هاتين الإصبعين، ويجمع بين إصبعيه السبابة والوسطى، والتشبيه في قلة التفاوت بينهما، فإن الوسطى تزيد على السبابة بقليل، فكأن ما بينه صلى الله عليه وسلم وبين الساعة في القلة قدر زيادة الوسطى على المسبحة، ويقول عليه الصلاة والسلام: أما بعد، فإن أفضل الحديث كتاب وكلام الله، وهو القرآن الكريم، وأحسن الطرق طريق محمد صلى الله عليه وسلم، واتباع سنته في سائر أمور الحياة، وشر الأمور هي المحدثات في الدين، التي ليس لها في الشريعة أصل يشهد لها بالصحة والجواز، وهي المسماة بالبدع، ولذلك حكم عليها بأن كل بدعة ضلالة، ثم يقول عليه الصلاة والسلام: أنا أحق بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فهو ميراث لأهله ومن ترك دينًا فعلي وفاء دينه، وإلي كفالة عياله.
عن أم سلمة أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله: {إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: 156]، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرًا منها"، قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رواه مسلم-
عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ سيفًا يوم أُحُدٍ فقال: «من يأخذ مني هذا؟» فبسطوا أيديهم، كلُّ إنسانٍ منهم يقول: أنا، أنا، قال: «فمن يأخذه بحقه؟» قال فأَحْجَمَ القومُ. فقال سِماكُ بن خَرَشة أبو دُجَانةَ: أنا آخذه بحقه. قال: فأخذه فَفَلَقَ به هَامَ المشركين.
رواه مسلمأخذ النبي صلى الله عليه وسلم سيفًا يوم أحد، فقال: من يأخذ مني هذا السيف؟ فبسط الصحابة أيديهم كل واحد منهم يقول: أنا آخذه، أنا آخذه، فقال صلى الله عليه وسلم: من يأخذه بحقه؟ أي أنه يقاتل بذلك السيف إلى أن يفتح الله تعالى على المسلمين أو يموت، فلا يفر به من كافر، ولا يقتل به مسلمًا، فكف الصحابة وتأخروا وتهيبوا أخذه، وإنما تأخر الصحابة بعدما كثر اشتياقهم إلى هذا السيف؛ لأنهم عرفوا أن الوفاء بحق سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خطير، وخافوا أن يلحقهم العجز في ذلك، فقال سماك بن خرشة أبو دجانة رضي الله عنه: أنا آخذ السيف بحقه، فأخذه أبو دجانة فشَقَّ بذلك السيف رؤوس المشركين، فوفى بحقه، واستشهد بعد ذلك في اليمامة.
عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت له اقتصاصًا، وقد وَعَيتُ عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضًا، وإن كان بعضهم أوعى له من بعض، قالوا: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه، فأيهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما أنزل الحجاب، فكنت أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل، دنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يَهْبِلْنَ، ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العُلْقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطَّل السُّلمي ثم الذَّكْواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول، قالت: فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، قال عروة: أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده، فيقره ويستمعه ويستوشيه، وقال عروة أيضا: لم يسم من أهل الإفك أيضا إلا حسان بن ثابت، ومِسْطَح بن أُثَاثة، وحَمْنَة بنت جحش، في ناسٍ آخرين لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة، كما قال الله تعالى، وإن كبر ذلك يقال له: عبد الله بن أبي ابن سلول، قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان، وتقول: إنه الذي قال: فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء. قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرًا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم، ثم يقول: «كيف تيكم»، ثم ينصرف، فذلك يريبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت حين نقهت، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع، وكان متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، قالت: وأمرُنا أمرُ العرب الأول في البرية قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، قالت: فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي ابنة أبي رُهْم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتَسُبِّين رجلًا شهد بدرًا؟ فقالت: أي هَنْتَاه، ولم تسمعي ما قال؟ قالت: وقلت: ما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت: فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم، ثم قال: «كيف تيكم»، فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: يا أمتاه، ماذا يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية، هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، لها ضرائر، إلا كثرن عليها، قالت: فقلت: سبحان الله، أولقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، قالت: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه، فقال أسامة: أهلك، ولا نعلم إلا خيرا، وأما علي فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: «أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟». قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها أمرًا قطُّ أغمصه غير أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله، قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي، وهو على المنبر، فقال: «يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما يدخل على أهلي إلا معي». قالت: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، فقال أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه، وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل. فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، قالت: فثار الحيان الأوس، والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، قالت: فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم، حتى سكتوا وسكت، قالت: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، قالت: وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوما، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي، فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: «أما بعد، يا عائشة، إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة، فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب، تاب الله عليه»، قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال: فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال: قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: وأنا جارية حديثة السن: لا أقرأ من القرآن كثيرا: إني والله لقد علمت: لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة، لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني منه بريئة، لتصدقني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف حين قال: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18] ثم تحولت واضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذ بريئة، وأن الله مُبَرِّئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحَاء، حتى إنه ليتحدَّر منه من العرق مثل الجُمَان، وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: «يا عائشة، أما الله فقد برأك». قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، فإني لا أحمد إلا الله عز وجل، قالت: وأنزل الله تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} العشر الآيات، ثم أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق: وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: {ولا يأتل أولو الفضل منكم} إلى قوله {غفور رحيم} [البقرة: 173]، قال أبو بكر الصديق: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا، قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال لزينب: «ماذا علمت، أو رأيت». فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع، قالت: وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت، فيمن هلك قال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط، ثم قال عروة، قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله، فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثى قط، قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله.
متفق عليهقال محمد بن مسلم شهاب الزهري التابعي الجليل: حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهم من كبار التابعين، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، والأربعة كلهم حدثني بالإفراد قطعة من حديثها، وبعضهم كان أحفظ لحديثها من بعض، وأثبت له سياقًا، وقد حفظت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، فجميع الحديث عن مجموعهم لا أن جميعه عن كل واحد منهم، وبعض حديثهم يُصدِّق بعضًا، وإن كان بعضهم أحفظَ له من بعض، وقد جاء ذكر هذه الحادثة في سورة النور. قالوا: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يسافر أقرع بين زوجاته، فيكون تحديد الزوجة التي سترافقه بالقرعة، تطييبًا لقلوبهن، فأي واحدة منهن خرج سهمها أخذها النبي عليه الصلاة والسلام وسافرت معه، فأقرع بيننا عليه الصلاة والسلام في غزوة المُرَيسيع، في السنة السادسة، فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أُنزِلَ الأمر بالحجاب، وكنت أُحمل في الهودج الذي تُحمل فيه النساء، فسرنا حتى إذا انتهى عليه الصلاة والسلام من غزوته شرع في العودة، واقتربنا من المدينة حال رجوعنا، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم ليلةً بالاستعداد للرحيل، فقمتُ فمشيت لقضاء حاجتي منفردةً، حتى جاوزت الجيش فلما انتهيت من شأني الذي مشيت له رجعت إلى الموضع الذي نزلت به، فلمست صدري فإذا بقلادة لي من خَرَزٍ يمانيٍّ قد انقطعت وضاعت، فرجعت إلى الموضع الذي ذهبتُ إليه، فبحثت عن قلادتي فأخرني طلبه، وجاء القوم الذين كانوا يحملون هودجي، وهو المحمل الذي يستر المرأة في السفر، فحملوه ووضعوه على الجمل الذي كنت أركبه، وهم يظنون أني بداخل الهودج، وكان النساء يومئذ خفاف، لم يكثر لحمهن، لأنهن كنَّ يأكلن القليل من الطعام، فلم ينكر القوم أن الهودج خفيف حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية صغيرة السن لم تبلغ حينئذٍ خمس عشرة سنة، فأثاروا الجمل وساروا، ووجدت عقدي لكن بعدما ذهب الجيش ومضى، فذهبت لأماكنهم فلم أجد منهم أحدًا، فقصدت منزلي وعلمت أنهم سيفقدونني ويرجعون إليّ، وبينما أنا جالسة في منزلي نعست فنمت، من شدة ما اعتراها من الغم، أو أن الله تعالى ألقى عليها النوم لطفًا منه بها لتستريح من وحشة الانفراد في البرية بالليل، وكان صفوان بن المعطَّل السُّلَمي ثم الذكواني يتخلف وراء الجيش، فمن سقط له شيء من متاعه كالقَدَح والسوط أتاه به، فأصبح عند منزلي فرأى شخصَ إنسانٍ نائم، فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل نزول الأمر بالحجاب، فاستيقظت من نومي بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، فغطيت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، لما شق عليه من ذلك، ونزل حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها ليسهل الركوب عليها، فلا تحتاج إلى مساعد، فقمت إليها فركبتها، فانطلق صفوان يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش، وذلك في شدَّة الحَرِّ، في وسط الظهيرة حين بلغت الشمس منتهاها من الارتفاع، وكان الجيش قد نزل ووصل إلى المنزل المطلوب. قالت عائشة رضي الله عنها: فهلك من هلك في أمر الإفك، وكان الذي باشر معظمه عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، قال عروة بن الزبير أُخبرت أن حديث الإفك كان ينتشر ويُتحدث به عند عبد الله بن أبي، فيصدقه ويستمع إليه ولا ينكره ولا ينهى عنه من يقوله، وكان يستخرجه بالبحث عنه حتى يفشيه، وقال عروة بن الزبير: لم يُذكر اسم أحد من أهل الإفك إلا حسان بن ثابت الشاعر ومِسْطَح بن أُثاثة وحَمْنَة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش، في ناس آخرين لا أعلمهم بأسمائهم إلا أنهم عصبة أي عشرة أو ما فوقها إلى الأربعين، كما قال الله تعالى في سورة النور: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم}، وإن متولي معظمه يقال له: عبد الله بن أبي ابن سلول، قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان، وتقول: إنه الذي قال: فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء قالت عائشة رضي الله عنها: رجعنا إلى المدينة فمرضت حين رجوعنا مدة شهر، والناس يخوضون في قول أصحاب الإفك، وأنا لا أحس بشيء من قولهم ولم أسمعه، ولكن يشككني أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أراه عندما أمرض، بل كان عليه الصلاة والسلام يدخل عليَّ ويقول: كيف حالكِ؟ ثم يخرج، فكان ذلك يشككني ولم أشعر بشيءٍ مما يقولون، حتى أفقت من المرض، فخرجت مع أم مسطح جهة المناصع، وهو موضع خارج المدينة، وكان موضع قضاء حاجتنا، وكنا نخرج له في الليل فقط، قبل أن نتخذ الأماكن المخصَّصة لقضاء الحاجة قريبةً من بيوتنا، وأمرُنا كأمر العرب الأوائل، في قضاء الحاجة في البرية خارج المدينة، وكنا نتأذى إذا وضعنا أماكن قضاء الحاجة داخل بيوتنا، قالت: فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي سلمى ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب رضي الله عنه، وبعد أن انتهينا من شأننا، وعدنا باتجاه بيتي، تعثرت أم مسطح في كسائها، فقالت حين تعثَّرت: هلك مسطح، قلت: هل تسبين رجلًا شهد بدرًا؟ قالت: يا هذه، ألم تسمعي ما قال مسطح؟ قلت لها: وماذا قال؟ فأخبرتني بما يقول أهل الإفك، فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فسلم ثم قال: كيف حالكم؟ فقلت له: هل تسمح لي أن أزور أبوي؟ وكنت أريد أن أتأكد من الخبر الذي سمعته منهما، فأذن لي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأتيتهما فقلت لأمي: يا أماه، ما الذي يتحدث الناس به؟ قالت: يا ابنتي هوِّني عليك، فوالله قلما كانت امرأة حسنة جميلة عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلا أكثرْنَ عليها القول في عيبها ونقصها، والمراد بعض أتباع ضرائرها كحمنة بنت جحش أخت زينب أو نساء غيرها، قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت متعجبة من ذلك: سبحان الله، وقد تحدث الناس بذلك، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا ينقطع الدمع من عيني، ولا تغمض لي عين فأنام؛ لأن الهموم داعية للسهر وسيلان الدموع، ثم أصبحت أبكي. قالت: ودعا النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأسامة بن زيد حين طال لبث نزول الوحي، يسألهما عن ذلك ويستشيرهما في فراق أهله، ولم تقل في فراقي لكراهتها التصريح بإضافة الفراق إليها، قالت: فأما أسامة فأشار على النبي صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود، فقال أسامة: هم أهلك العفائف ولا نعلم عليهم إلا خيرًا، وأما علي فقال: يا رسول الله النساء غيرها كثير، و لم يضيق الله عليك بألا تتزوج، واسأل الجارية بريرة فتخبرك بما تعلم منها، ولعلها كانت تخدم عائشة رضي الله عنها حينئذ قبل شرائها أو بعده، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: يا بريرة هل رأيت فيها شيئًا من جنس ما قيل فيها؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها شيئًا أبدًا أعيبه عليها إلا أنها جارية صغيرة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الشاة أو ما يألف البيوت: شاةً أو غيرَها، فتأكله، وهذا دليل على أنه لا عيب فيها سوى هذه الصفة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، فاستعذر من عبد الله بن أبي وهو على المنبر، فقال: يا معشر المسلمين، مَن يقوم بعذري ولا يلومني إن كافأته على قبيح فعله، أو من ينصرني من رجل قد وصل أذاه إلى أهلي؟ والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا صفوان بن المعطَّل، وما علمت عليه إلا خيرًا، وما يدخل على أهلي إلا وهو معي، فقام سعد بن معاذ فقال: أنا يا رسول الله أعذرك منه، فإن كان من قبيلتنا الأوس قتلته، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا ما أمرتنا فيه، وكان عبد الله بن أُبيّ خزرجيًّا، فقام رجلٌ من الخزرج، وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، قالت عائشة: وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، لم يتقدم منه ما يتعلق بالوقوف مع قريبه بالباطل، ولم تغمصه في دينه، ولكن كان بين الحيين مشاحنة قبل الإسلام، ثم زالت وبقي بعض آثارها، فهو من الصالحين ولكن أخذته الحَمِيَّةُ من مقالة سعد بن معاذ فأغضبته، فقال لسعد: كذبت لعمر الله، لن تقتله، ولا تقدر على قتله؛ لأنا نمنعه منه، ولو كان من الأوس ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حُضير وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتله، ولو كان من الخزرج إذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وليست لكم قدرة على منعنا، فإنك منافق وتجادل عن المنافقين، ولم يرد نفاق الكفر، بل إظهاره الود للمنافقين، فنهض الأوس والخزرج بعضهم إلى بعض من الغضب حتى قاربوا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على المنبر، فلا يزال عليه الصلاة والسلام يهدِّئُهم حتى سكتوا وسكت عليه الصلاة والسلام، قالت عائشة: فبكيت يومي ذلك كله لا تنقطع الدموع من عيني ولا تغمض لي عين بالنوم، وأصبح أبواي أبو بكر وأم رومان عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا بكاءً مستمرًّا شديدًا، حتى أني لأظن أن البكاء سيشق كبدي، فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليَّ امرأة من الأنصار لم تُسَمَّ، فأذنت لها فجلست تبكي معي تفجعًا لما نزل بي، فبينما نحن كذلك، دخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا فسلم ثم جلس، ولم يجلس عندي منذ قولهم الإفك، وقد مكث عليه الصلاة والسلام شهرًا لا يوحى إليه في شأني هذا بشيء، فتشهد النبي صلى الله عليه وسلم عندما جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة وصلني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة مما نسبوه إليك، فسيثبت الله عز وجل براءتك بوحي ينزله، وإن كان وقع منك ذنب فاستغفري الله وتوبي إليه من هذا الذنب، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب منه، فإن الله يتوب عليه، فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من كلامه انقطع دمعي حتى ما أجد منه قطرة، فقلت لأبي: رُدَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما قاله لي، قال: والله لا أعلم ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: رُدِّي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: لا أعلم ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة: فقلت وأنا جارية صغيرة السن لا أقرأ من القرآن كثيرًا، وهذا تمهيد لعذرها في عدم استحضارها اسم يعقوب عليه السلام، قالت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم حديث الإفك حتى ثبت في أنفسكم وصدَّقتم به، وإن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم أني بريئة لن تصدقوني، وإن اعترفت لكم بأني لست بريئة، والله يعلم أني بريئة ستصدقونني، والله لا أجد لكم مثلًا إلا قول أبي يوسف، إذ قال: {فصبرٌ جميلٌ والله المستعان على ما تصفون}، ثم انقلبتُ فرقدتُ على فراشي، وأنا وقتها أعلم أني بريئة، وأن الله سيبرِّئُني، ولكن والله ما كنت أظن أن الله سينزل في أمري وحيًا وقرآنًا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر وأصغر من أن يتكلم الله فيَّ بشيءٍ، ولكن كنت أرجو أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يثبت الله براءتي بها، قالت: فوالله ما فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت من الذين كانوا حاضرين حينئذٍ حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من العرق من شدة الوحي، حتى إنه لينزل منه مثل اللؤلؤ من العرق وهو في يوم بارد، من ثقل القول الذي ينزل عليه، فلما كُشِف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي كان يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها: يا عائشة أما إن الله عز وجل قد برَّأكِ بالقرآن مما قاله أهل الإفك فيك، فقالت أمي أم رومان: قُومِي إليه صلى الله عليه وسلم لأجل ما بشرك به، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله عز وجل الذي أنزل براءتي، وأنزل الله عز وجل {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه} العشر الآيات كلها. فلما أنزل الله تعالى هذه الآيات في براءتي وأقيم الحد على من أقيم عليه، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لأنه ابن خالته ولفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال في عائشة، فأنزل الله {ولا يأتل} أي لا يحلف {أولو الفضل منكم} أي أصحاب التقدم في الدين {والسعة} في المال، كأبي بكر رضي الله عنه {أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله})، صفات لموصوف واحد وهو مسطح لأنه كان مسكينًا مهاجرًا بدريًا {وليعفوا وليصفحوا} عنهم خوضهم في أمر عائشة {ألا تحبون} خطاب لأبي بكر {أن يغفر الله لكم} على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم {والله غفور رحيم} قال أبو بكر لما قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي، فأعاد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه قبل، وحلف ألا ينزعها منه أبدًا. قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها عن أمري، فقال: يا زينب ماذا علمت على عائشة أو رأيت منها؟ فقالت يا رسول الله أحفظ سمعي من أن أقول سمعت ولم أسمع، و أحفظ بصري من أن أقول أبصرت ولم أبصر، ما علمت عليها إلا خيًرا، قالت عائشة: وزينب هي التي كانت تطلب من العلو والارتفاع والحظوة عند النبي صلى الله عليه وسلم ما أطلب، أو تعتقد أن لها مثل الذي لي عنده، من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحفظها الله بالورع أن تقول ما يقول أهل الإفك، وجعلت أختها حمنة تحارب لأختها زينب، وتحكي مقالة أهل الإفك لتخفض منزلة عائشة وتعلي منزلة أختها زينب، فحُدَّت فيمن حُدَّ من أصحاب الإفك أو أثمت مع من أثم. قال ابن شهاب: فهذا الذي وصلني من حديث هؤلاء الجماعة، ثم قال عروة، قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل فيه ما قيل من الإفك -وهو صفوان بن المعطل- ليقول متعجبًا مما نسبوه إليه: سبحان الله، فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثى قط، أي سترها وهو كناية عن عدم الجماع، قالت عائشة: ثم قتل صفوان بعد ذلك شهيدًا في سبيل الله.