الاقسام

اكتشف مجموعتنا المتنوعة من التصنيفات التي تغطي مواضيع متعددة لتلبية اهتماماتك المختلفةبطاقات دعوية تُبرز معانٍ عظيمة لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بأسلوب يسير وعرض جذاب تعين المسلم على فهم أعمق لدينه بطريقة يسيرة

﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ

سورة البقرة
line

وإذا لقىَ المنافقون أهلَ الإيمان من الصحابة قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم: صدقنا بالإسلام، وأظهروا أنهم على طريقتهم وأنهم معهم في الرخاء والشدة، وإذا انفردوا برؤوس الكفر والضلال الذين يدبرون الشر للمسلمين أكّدوا لهم أنهم ثابتون على كفرهم، وأنّ تظاهرهم بالإيمان للاستهزاء والاستخفاف بالمؤمنين.

﴿ ۞ قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلۡبَيِّنَٰتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرۡتُ أَنۡ أُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ

سورة غافر
line

قل -أيها الرسول- لمشركي قومك الذين يطلبون منك مشاركتهم في عبادة آلهتهم: إن الله قد نهاني أن أعبد الذين تعبدونهم من دون الله من هذه الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، لأني قد جاءتني الآيات الواضحات والبراهين القاطعات من عند ربي على بطلان عبادتها، وتشهد وتصرح بأن المستحق للعبادة هو الله، وأمرني الله أن أخضع وأنقاد بالطاعة التامة له، فهو رب العالمين جميعًا ومالك أمرهم لا رب لهم غيره.

﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓۖ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيۡهِۚ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

سورة الأعراف
line

ولما رجع موسى عليه السلام من مناجاة ربه إلى قومه من بني إسرائيل غضبانَ حزينًا؛ بسبب مَا وجدهم عليه من عبادة العجل، ولتمام غيرته، وكمال نصحه وشفقته عليهم، قال: ما أسوأ تصرفكم بعبادة العجل بعد ذهابي لمناجاة ربي؛ فإنها حالة تفضي إلى الهلاك والشقاء، أمللتم انتظاري فحدثتم أنفسكم بموتى فأقدمتم على عبادة العجل وغيرتم كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم؟! ورمى موسى عليه السلام ألواح التوراة حمية لدينه وغضبًا لله وسخطًا على قومه الذين عبدوا العجل، وأمسك برأس أخيه هارون عليه السلام ولحيته يجره إليه غضبًا منه؛ لبقائه معهم وظنه أنه قد قصر في نصحهم وزجرهم، وعدم تغييره ما رآهم عليه من عبادة العجل، قال هارون عليه السلام مستعطفًا أخاه: يا ابن أمي: إن القوم حسبوني ضعيفًا فاستذلوني وقاربوا أن يقتلوني فلا تظن بي تقصيرًا ولا تعاقبني بعقوبة تسر أعدائي بما فعلته بي، ولا تجعلني بسبب غضبك عليَّ في عداد القوم الظالمين الذين خالفوا أمرك فعبدوا العجل من دون الله فتعاملني معاملتهم، فإني بريء منهم، ولقد نصحتهم ولكنهم قوم لا يحبون الناصحين.

﴿ وَزُرُوعٖ وَنَخۡلٖ طَلۡعُهَا هَضِيمٞ

سورة الشعراء
line

وزروع كثيرة متنوعة ونخل ثمرها لين نضيج.

﴿ فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ

سورة المائدة
line

فَزَيَّنت لقابيل وسهلت له نفسُه الأمارة بالسوء أن يقتل أخاه هابيل، فقتله، فأصبح من الخاسرين الذين خسروا دنياهم وآخرتهم؛ بسبب توعد الله للقاتل بالغضب واللعنة والعذاب العظيم.

﴿ وَكَم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا بَيَٰتًا أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ

سورة الأعراف
line

ولقد أهلكنا كثيرًا من القرى بسبب مخالفتهم لرسلنا وتكذيبهم لهم، فحل بهم عِقابنا وقت أمنهم، فنزَّلنا عليهم عذابًا شديدًا في حال نومهم ليلًا كما حصل لقوم لوط، أو نزل بهم في وقت استراحتهم بالنهار كما حصل لقوم شعيب، فلم يستطيعوا دفع العذاب عن أنفسهم، ولم تدفعه عنهم آلهتهم التي عبدوها من دون الله والتي كانوا يرجونهم.

﴿ وَلَئِنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحٗا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرّٗا لَّظَلُّواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ يَكۡفُرُونَ

سورة الروم
line

ولئن أرسلنا على زروعهم ونباتهم رِيحًا معها الأتربة والرمال؛ فرأوا زروعهم ونباتهم قد فسد بتلك الريح، فصار لونه من بعد خضرته مصفرًا، قد أصابه ما يضره أو يتلفه؛ لظلوا من بعد رؤيتهم له يكفرون بنعم الله السابقة على كثرتها، ويقابلون ما أرسلناه عليهم بالسخط، لا بالاستسلام لقضائنا، وملازمة طاعتنا.

﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا

سورة الفرقان
line

ومثل ما لقيت -أيها الرسول- من مجرمي قومك من التكذيب العداوة والإيذاء؛ كذلك جعلنا لكل نبيٍّ من الأنبياء قبلك عدوًا من مجرمي قومه، فاصبر كما صبروا، وكفى بربك مُرشدًا لك فيحصل لك مصالح دينك ودنياك، ونصيرًا ينصرك على أعدائك كما نصر من سبقك من المرسلين على أعدائهم فاعتمد عليه وحده.

﴿ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوۡءِۖ وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ

سورة النحل
line

للذين لا يؤمنون بالآخرة المثل الناقص والفعل القبيح وصفة السوء من الجهل والكفر والعجز والحاجة ووأدهم البنات مع احتياجهم إلى الولد وكراهية الإناث وقتلهن خوف الفقر وهن التي تنجبنه، وهذه الصفات تدل على غبائهم وجهلهم وقبح تفكيرهم، ولله المثل الأعلى والوصف الأكمل، له الكمال المطلق والغنى التام، لا يحتاج لأحد من المخلوقين، وهو سبحانه وتعالى العزيز في حكمه الذي لا يُغالِبه أحد، الحكيم في خلقه وتدبيره.

﴿ وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ

سورة يونس
line

وإن يُصِبْك الله -أيها الرسول- بشدة أو بلاء وطلبت صرفه عنك فلا كاشف لذلك إلا هو سبحانه وتعالى، وإن يُردك برخاء أو نعمة فلا أحد من الخلق يستطيع أن يمنع فضله عنك، يصيب بالسراء والضراء والشدة والنعمة من يشاء من عباده فلا مُكره له، وهو الغفور لذنوب من تاب من عباده، الرحيم بهم.

عَنِ الْمِقْدَادِ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي، وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنَ الْجَهْدِ، فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْبَلُنَا، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى أَهْلِهِ، فَإِذَا ثَلَاثَةُ أَعْنُزٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا»، قَالَ: فَكُنَّا نَحْتَلِبُ فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ، وَنَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبَهُ، قَالَ: فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ، قَالَ: ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَأْتِي شَرَابَهُ فَيَشْرَبُ، فَأَتَانِي الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ شَرِبْتُ نَصِيبِي، فَقَالَ: مُحَمَّدٌ يَأْتِي الْأَنْصَارَ فَيُتْحِفُونَهُ، وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ، مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الْجَرْعَةِ، فَأَتَيْتُهَا فَشَرِبْتُهَا، فَلَمَّا أَنْ وَغَلَتْ فِي بَطْنِي، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيلٌ، قَالَ: نَدَّمَنِي الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، مَا صَنَعْتَ أَشَرِبْتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ، فَيَجِيءُ فَلَا يَجِدُهُ فَيَدْعُو عَلَيْكَ فَتَهْلِكُ فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ، وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ إِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى قَدَمَيَّ خَرَجَ رَأْسِي، وَإِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى رَأْسِي خَرَجَ قَدَمَايَ، وَجَعَلَ لَا يَجِيئُنِي النَّوْمُ، وَأَمَّا صَاحِبَايَ فَنَامَا وَلَمْ يَصْنَعَا مَا صَنَعْتُ، قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ فَكَشَفَ عَنْهُ، فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: الْآنَ يَدْعُو عَلَيَّ فَأَهْلِكُ، فَقَالَ: «اللهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِي»، قَالَ: فَعَمَدْتُ إِلَى الشَّمْلَةِ فَشَدَدْتُهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى الْأَعْنُزِ أَيُّهَا أَسْمَنُ، فَأَذْبَحُهَا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هِيَ حَافِلَةٌ، وَإِذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنَّ، فَعَمَدْتُ إِلَى إِنَاءٍ لِآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانُوا يَطْمَعُونَ أَنْ يَحْتَلِبُوا فِيهِ، قَالَ: فَحَلَبْتُ فِيهِ حَتَّى عَلَتْهُ رَغْوَةٌ، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَشَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَةَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْرَبْ، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْرَبْ، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَلَمَّا عَرَفْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَوِيَ وَأَصَبْتُ دَعْوَتَهُ، ضَحِكْتُ حَتَّى أُلْقِيتُ إِلَى الْأَرْضِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِحْدَى سَوْآتِكَ يَا مِقْدَادُ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَ مِنْ أَمْرِي كَذَا وَكَذَا وَفَعَلْتُ كَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا هَذِهِ إِلَّا رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ، أَفَلَا كُنْتَ آذَنْتَنِي فَنُوقِظَ صَاحِبَيْنَا فَيُصِيبَانِ مِنْهَا»، قَالَ: فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُبَالِي إِذَا أَصَبْتَهَا وَأَصَبْتُهَا مَعَكَ مَنْ أَصَابَهَا مِنَ النَّاسِ.

رواه مسلم
line

قال المقداد رضي الله عنه: أتينا أنا واثنان من أصحابي وقد ضعفت أسماعنا وأبصارنا من شدة الجوع والمشقة، فجعلنا نظهر أنفسنا وجوعنا للصحابة، وما أصابنا من الجهد حتى يواسونا ويقوموا بضيافتنا، فلم يقبلنا أحدٌ منهم، وهذا محمول على أن الذين أظهروا أنفسهم عليهم كانوا مقلين ليس عندهم شيء يواسونهم به، فجئنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذهب بنا إلى أهله، ففاجأنا وجود ثلاثة أعنز، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احلبوا لبن هؤلاء العنزات الثلاثة، واقسموه بيننا، قال المقداد: فكنا نحتلب فيشرب كل واحد منا حظه من ذلك اللبن، ونرفع للنبي عليه الصلاة والسلام حظه، فكان يأتي النبي عليه الصلاة والسلام في الليل، فيُسلِّم تسليمًا لا يُوقظ النائم، ولكنه يُسمع المستيقظ، ثم يأتي إلى المكان الذي يصلي فيه في المسجد فيصلي ثم يشرب حظه من اللبن، فجاءني الشيطان في ليلة من الليالي فقال: محمد صلى الله عليه وسلم يذهب لبيوت الأنصار رضي الله عنهم فيكرمونه بالهدايا والعطايا، وينال غرضه من الطعام والشراب ما يغنيه عن هذا اللبن، فليست به صلى الله عليه وسلم حاجة إلى هذا اللبن القليل، فشربته، فلما دخل في بطني وعلمت أنه لا طريق الآن إلى إعادة ما شربته إلى محله، حملني الشيطان على الندم فقال: ويلك ماذا فعلت؟ هل شربت شراب محمد صلى الله عليه وسلم؟ الان يأتي صلى الله عليه وسلم إلى شرابه فلا يجده، فيدعو عليك بالهلاك فتهلك، فتخسر في الدنيا والآخرة، وكان عليّ كساء إذا وضعته على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعته على رأسي خرج قدماي، ولم يأتيني النوم؛ لاشتداد كربتي بسبب ما صنعته من شرب نصيب النبي عليه الصلاة والسلام، وأما صاحباي فناما؛ إذ لم يفعلا ما فعلت، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلم كما كان يسلم ثم ذهب للمسجد فصلى، ثم أتى موضع شرابه الذي يكون فيه، فكشف الغطاء عن إناء شرابه فلم يجد فيه شيئًا من اللبن، فرفع رأسه إلى السماء ليدعو ربه، قال المقداد رضي الله عنه: فقلت: الآن يدعو علي حيث شربت نصيبه وبات جائعًا، فأهلك بدعائه صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم أطعم من يطعمني وأسق من يسقيني، قال المقداد رضي الله عنه: فقصدت إلى كسائي فربطته علي وأخذت السكين وذهبت إلى العنزات أرى أي واحدةٍ فيهن أسمن، فأذبحها للنبي صلى الله عليه وسلم، ففاجأني أنها ممتلئة الضرع باللبن، وإذا كل العنزات ممتلئات باللبن، وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم الظاهرة، ومعجزته الباهرة، حيث صرن كلهن ممتلئات بعدما حلب لبنهن في وقت قريب، فقصدت إلى إناء لأهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا يرجون أن يحلبوا فيه لكبره وقلة اللبن عندهم، فحلبت في ذلك الإناء حتى ارتفعت على فم ذلك الإناء رغوة وزبد، فأتيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: هل شربتم شرابكم الليلة؟ قال المقداد: نعم، يا رسول الله، ثم بادره بالطلب لينال الدعوة النبوية، فقال: اشرب هذا اللبن، فشرب ثم أعطاني الباقي منه لأشربه، فقلت: يا رسول الله، اشرب مرة ثانية، فشرب، ثم أعطاني فلما عرفت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد شبع وأصبت دعوته حيث قال: اللهم أطعم من أطعمني، وأسق من أسقاني، ضحكت من شدة الفرح والسرور بذلك حتى سقطت إلى الأرض من شدة الضحك، ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم منه ذلك استغرب، وقال له: هذه الحالة -وهي حالة كثرة الضحك- إحدى حالاتك التي تسوء، وتعيب لك يا مقداد، منكرًا لذلك؛ لأن كثرة الضحك يميت القلب، فأخبرته ما حدث من شرب نصيبه صلى الله عليه وسلم بتسويل الشيطان لي وامتلاء ضروع العنز، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذه الخصلة التي حصلت في هذه الليلة من شرب اللبن الذي نزل من العنز اللاتي حلبن وجف ضرعهن، إلا رحمة من الله سبحانه وتعالى، أفلا كنت أعلمتني بها فنوقظ صاحبينا، فيصيبان من هذه النعمة والرحمة من الله عز وجل، قال المقداد: فقلت: إذا شربتَها أنت وشربتُها معك فلا أبالي ولا أكترث بالناس، فلا يسرني من شربها ولا يحزنني من لم يشربها بعد ذلك.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا، وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا مَوْشِيًّا»، فَقَالَ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟» فَأَتَاهَا عَلِيٌّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: لِيَأْمُرْنِي فِيهِ بِمَا شَاءَ، قَالَ: «تُرْسِلُ بِهِ إِلَى فُلاَنٍ، أَهْلِ بَيْتٍ بِهِمْ حَاجَةٌ».

رواه البخاري
line

جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت فاطمة رضي الله عنها، فلم يدخل عليها داخل البيت، فجاء زوجها علي رضي الله عنه فذكرت فاطمة الذي وقع منه عليه الصلاة والسلام من عدم دخوله عليها، فسأل علي النبي عليه الصلاة والسلام عن سبب رجوعه، فقال: إني رأيت على باب بيتها قماشًا منقوشًا بألوان، فقال عليه الصلاة والسلام: ما شأني و شأن الدنيا؟ وماذا أريد بها؟ فأخبر علي فاطمة بالذي قاله عليه الصلاة والسلام، فقالت: فليأمرني في أمر القماشة بما شاء، قال عليه الصلاة والسلام: ترسل بالقماشة إلى فلان، فإنهم أهل بيت محتاجون، وليس ستر الباب حرامًا لكنه صلى الله عليه وسلم كره لابنته ما كره لنفسه من تعجيل الطيبات لأن فيه نقوشًا، وهذا يُذكِّر بالدنيا ويُعلَّق القلب بها.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الإِسْلاَمَ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الَّذِي قُلْتَ لَهُ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَدْ قَاتَلَ اليَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا وَقَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِلَى النَّارِ»، قَالَ: فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»، ثُمَّ أَمَرَ بِلاَلًا فَنَادَى بِالنَّاسِ: «إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ»

متفق عليه
line

ذكر أبو هريرة رضي الله عنه شهودهم مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة خيبر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام عن رجل يُظهر الإسلام: هذا الرجل من أهل النار، فلما جاء الرجل إلى القتال، قاتل قتالًا شديدًا وأصابته جراح، فقيل: يا رسول الله إن الرجل الذي قلت عنه أنه من أهل النار، قاتل اليوم قتالًا شديدًا، وقد مات بسبب قتاله فهو شهيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو في النار؛ لنفاقه أو لأنه سيرتد، ويقتل نفسه مستحلًا لذلك، فقارب بعض الناس أن يشك في صدق النبي عليه الصلاة والسلام، وبينما هم كذلك، قال بعض الناس: إن الرجل لم يمت شهيدًا، ولكن كان به جراح شديدة، ولازال حيًّا، فلما جاء الليل لم يصبر على ألم الجراح فقتل نفسه، فقيل للنبي عليه الصلاة والسلام ذلك، فقال: الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله، ثم أمر بلالًا أن ينادي بالناس ويقول: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله لينصر ويقوي الإسلام بالرجل الفاجر، وفيه إشعار بسلب الإيمان عن الرجل المذكور.

عن الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَلَإٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالهَيْئَةِ، حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ، يَتَزَلْزَلُ، ثُمَّ وَلَّى، فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَأَنَا لاَ أَدْرِي مَنْ هُوَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: لاَ أُرَى القَوْمَ إِلَّا قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ، قَالَ: إِنَّهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا، قَالَ لِي خَلِيلِي، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ خَلِيلُكَ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَتُبْصِرُ أُحُدًا؟» قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ، وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، أُنْفِقُهُ كُلَّهُ، إِلَّا ثَلاَثَةَ دَنَانِيرَ» وَإِنَّ هَؤُلاَءِ لاَ يَعْقِلُونَ، إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا، لاَ وَاللَّهِ، لاَ أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا، وَلاَ أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ، حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ.

متفق عليه
line

قال الأحنف بن قيس: جلست مع جماعة من قريش، فجاء رجل خشن الشعر وخشن الثياب والهيئة، حتى وقف عليهم فسلم، ثم قال لهم: بشر الذين يكنزون ويجمعون الذهب والفضة ولا يؤدون زكاتها، بحجارة يُوقد عليها في نار جهنم، ثم توضع الحجارة على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من العظم الرقيق الذي على طرف كتفه، وتوضع الحجارة على عظمة كتفه حتى تخرج من حلمة ثديه، وهذه الحجارة تتحرك وتضطرب من الكتف إلى الحلمة، ثم انصرف فجلس إلى عمود، فتبعه الأحنف وجلس عنده وهو لا يدري من هو؟ فقال له: لا أظن إلا أن القوم كرهوا الكلام الذي قلته، قال له أبو ذر: إنهم لا يعقلون شيئًا، وفسره بجمعهم للدنيا، قال لي خليلي، فسأله الأحنف: من هو خليلك؟ فأجابه: أن خليله هو النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له عليه الصلاة والسلام: يا أبا ذر هل ترى جبل أُحد؟ فنظر إلى الشمس ليعرف القدر الذي بقي من النهار وينظر الذي بقي منه، فظن أن النبي صلى الله عليه وسلم سيرسله إلى شيء يحتاجه، فأجابه: نعم أرى جبل أُحد، قال عليه الصلاة والسلام: لا أحب أن يكون لي مثل جبل أُحد ذهبًا أنفقه لخاصة نفسي كله إلا ثلاثة دنانير، وهذا المقدار لقضاء الدين المتوقع، كما دلت عليه الروايات الأخرى، أو أنها كانت كفايته صلى الله عليه وسلم في اليوم، وهذا محمول على الأولوية لأن جمع المال وإن كان مباحًا لكن الجامع مسؤول عنه، وما ورد من الترغيب في تحصيله وإنفاقه في حقه محمول على من وثق بأنه يجمعه من الحلال الذي يأمن معه من خطر المحاسبة، قال أبو ذر: وإن هؤلاء لا يعقلون، لأنهم إنما يجمعون الدنيا، لا والله لا أسألهم شيئًا من متاع الدنيا، بل أقنع بالقليل وأرضى باليسير، ولا أستفتيهم في الدين اكتفاءً بما سمعته من العلم من النبي صلى الله عليه وسلم حتى ألقى الله عز وجل.

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا، فَيَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا -أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا-، قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي -أَوْ أَتَضْحَكُ بِي- وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟"، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، قَالَ: فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً.

متفق عليه
line

ذكر النبي صلى الله عليه وسلم آخر مَن يخرج من النار وآخر مَن يدخل الجنة، وهو رجلٌ يخرج من النار يمشي على يديه وركبتيه، فيقول الله تبارك وتعالى له: اذهب وادخل الجنة، فيذهب للجنة فيُصوَّر إليه أنها ممتلئة بالسكان، فيرجع إلى الله عز وجل، فيقول: يا رب، وجدتُها ممتلئةً، فليس لي مكان فيها، فيقول الله تبارك وتعالى له: اذهب وادخل الجنة، فيفعل كما فعل بالمرة الأولى، وفي المرة الثالثة يقول الله عز وجل له: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل ما في الدنيا وزيادة عليها عشرة أمثالها، -أو والشك من الراوي: إن لك عشرة أمثال الدنيا-، فيقول الرجل: أتستهزئ بي أو أتضحك بي وأنت الملك؟ وإنما قال ذلك لأنه استخفه الفرح وأدهشه فقال ذلك، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ضحك حتى ظهرت أنيابه، فكان يقال أن هذا أقل أهل الجنة منزلة.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَقُولُ:«خير المجالس أوسعها».

رواه أبوداود وأحمد
line

دل الحديث على فضل سعة المجالس، فإن المجالس الواسعة من خير المجالس؛ لأنها إذا كانت واسعة حملت أناسا كثيرين وصار فيها انشراح وسعة صدر، وهذا على حسب الحال فقد يكون بعض الناس حُجَرُ بيته ضيقة، لكن إذا أمكنت السعة فهو أحسن؛ لما سبق.

عن أبي إدريس الخولاني رحمه الله قال: دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشقَ، فَإِذَا فَتًى بَرَّاق الثَنَايَا وَإِذَا النَّاس مَعَه، فَإِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيءٍ، أَسْنَدُوهُ إِلَيهِ، وَصَدَرُوا عَنْ رَأْيِهِ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَقِيل: هَذَا مُعَاذ بْنُ جَبَلٍ رضي الله عنه فَلَمَّا كان مِنَ الغَدِ، هَجَّرتُ، فَوَجَدتُه قَدْ سَبِقَنِي بِالتَهْجِير، وَوَجَدتُهُ يُصَلِّي، فَانتَظَرتُهُ حَتَّى قَضَى صَلاَتَه، ثُمَّ جِئتُهُ مِن قِبَلِ وَجْهِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيه، ثُمَّ قُلتُ: وَالله إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّه، فَقَال: آلله؟ فَقُلتُ: آلله، فقال: آللهِ؟ فقُلْتُ: آلله، فَأَخَذَنِي بَحَبْوَةِ رِدَائِي، فَجَبَذَنِي إِلَيه، فَقَال: أَبْشِر! فَإِنِّي سَمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قَالَ الله -تعَالَى-: وَجَبَت مَحَبَّتِي لِلمُتَحَابِّين فِيَّ، وَالمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ».

رواه مالك وأحمد
line

في هذا الحديث فضل التحابب في الله، والمراد أن فاعل كل هذه الأمور من الجانبين كما يدل عليه صيغة التفاعل إذا كان لوجه الله تعالى لا لعرض فانٍ، ولا لغرض فإنه تجب له محبة مولاه، وهذا أعظم الجزاء فيدل على شرف هذا، وقد ورد «من أحبّ في الله وأبغض في الله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان». ففي قوله: "فقلت والله إني لأحبك لله قال: آلله فقلت: آلله" دليل على أن الأيمان كانت تجري على ألسنتهم على معنى تحقيق الخبر ويؤكد بتكرارها واستدعاء تأكيدها. وقوله: "فأخذ بحبوة ردائي" يريد بما يحتبي به من الرداء وهو طرفاه. وقوله: "وجبذني إلى نفسه" على معنى التقريب له والتأنيس وإظهار القبول لما أخبر به وتبشيره بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لمن فعل ذلك. فقال له: "أبشر" يريد بما أنت عليه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله -عزو جل- على معنى إضافة ما يبشره إلى خبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق عن ربه -تبارك وتعالى-، ليستيقن أبو إدريس وتتم له البشرى بهذا الخبر، حيث إنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه، لا من اجتهاد معاذ رضي الله عنه . وقوله عزو جل: "وجبت محبتي" يريد ثبتت محبتي لهم. "للمتحابين والمتجالسين فيَّ" يريد أن يكون جلوسهم في ذات الله -عزو جل- من التعاون على ذكر الله تعالى وإقامة حدوده والوفاء بعهده والقيام بأمره وبحفظ شرائعه واتباع أوامره واجتناب محارمه. وقوله -تبارك وتعالى- "والمتزاورين فيَّ": يريد -والله أعلم- أن يكون زيارة بعضهم لبعض من أجله وفي ذاته وابتغاء مرضاته من محبة لوجهه أو تعاون على طاعته. وقوله -تبارك وتعالى-: "والمتباذلين فيَّ": يريد يبذلون أنفسهم في مرضاته من الاتفاق على جهاد عدوه وغير ذلك مما أمروا به ويعطيه ماله إن احتاج إليه.

عن أُسَير بن عمرو، ويقال: ابن جابر قال: كَانَ عُمر بن الخطاب رضي الله عنه إِذَا أَتَى عَلَيه أَمْدَادُ أَهْلِ اليَمَن سَأَلَهُم: أَفِيكُم أُوَيس بنُ عَامِر؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيس رضي الله عنه فقال له: أَنْت أُوَيس بنُ عَامِر؟ قال: نَعَم، قال: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرْنٍ؟ قَالَ: نَعَم، قَال: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ، فَبَرَأَتَ مِنُه إِلاَّ مَوْضِعّ دِرهَم؟ قال: نعم، قَالَ: لَكَ وَالِدة؟ قال: نعم، قال: سَمِعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يَأتِي عَلَيكُم أُوَيس بنُ عَامِر مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ اليَمَن مِنْ مُرَاد، ثُمَّ مِنْ قَرْن كَانَ بِهِ بَرَصٌ، فَبَرَأَ مِنْهُ إِلاَّ مَوضِعَ دِرْهَم، لَهُ وَالِدَة هُوَ بِهَا بَرُّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لَأَبَرَّه، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ» فَاسْتَغْفِرْ لِي فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ لَه عُمر: أَيْنَ تُرِيد؟ قَالَ: الكُوفَة، قال: أَلاَ أَكتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قال: أَكُون فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ العَام الْمُقْبِل حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِم، فَوَافَقَ عُمَر، فَسَأَلَه عَنْ أُوَيس، فقال: تَرَكْتُهُ رَثَّ البَّيت قَلِيلَ الْمَتَاعِ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يَأْتِي عَلَيكُم أُوَيس بنُ عَامِر مَعَ أَمْدَادٍ مِنْ أَهْلِ اليَمَن مِنْ مُرَاد، ثُمَّ مِنْ قَرْن، كَانَ بِهِ بَرَص فَبَرَأَ مِنْه إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَم، لَهُ وَالِدَة هُوَ بِهَا بَرٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلى الله لَأَبَرَّهُ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِر لَكَ، فَافْعَلْ» فَأَتَى أُوَيسًا، فقال: اسْتَغْفِر لِي، قال: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لِي، قال: لَقِيتَ عمر؟ قال: نَعَم، فاستغفر له، فَفَطِنَ لَهُ النَّاس، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ. وفي رواية أيضا عن أُسَير بن جابر: أنَّ أَهلَ الكُوفَةِ وَفَدُوا على عمر رضي الله عنه وفيهم رَجُلٌ مِمَّن كان يَسْخَرُ بِأُوَيْسٍ، فقال عمر: هَل هاهُنَا أَحَدٌ مِنَ القَرَنِيِّين؟ فَجَاء ذلك الرجل، فقال عمر: إِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَدْ قال: «إِنَّ رَجُلاً يَأْتِيكُم مِنَ اليَمَنِ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، لاَ يَدَعُ بِاليَمَنِ غَيرَ أُمٍّ لَهُ، قَد كَان بِهِ بَيَاضٌ فَدَعَا الله تعالى ، فَأَذْهَبَهُ إِلاَّ مَوضِعَ الدِّينَارِ أَو الدِّرْهَمِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ، فَلْيَسْتَغْفِر لَكُم». وفي رواية له: عن عمر رضي الله عنه قال: إِنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ خَيرَ التَّابِعِين رَجُلٌ يُقَال لَهُ: أُوَيسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَمُرُوهُ، فَلْيَسْتَغْفِر لَكُم».

رواه مسلم
line

كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه جماعات الغزاة من أهل اليمن الذين يمدون جيوش الإسلام في الغزو، سألهم: أفيكم أويس بن عامر، فما زال كذلك حتى جاء أويس رحمه الله فقال له عمر: هل أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال عمر: هل أنت من قبيلة مراد ثم من قرن؟ قال: نعم، ثم قال له عمر: وهل كان بك برص فشُفيت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال عمر: هل لك والدة؟ قال: نعم، فقال عمر: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه سيأتي عليكم أويس بن عامر، مع جماعات الغزاة من أهل اليمن من قبيلة مراد ثم من قرن وكان به برص فشفاه الله منه إلا موضع درهم، له والدة هو بار بها، لو أقسم على الله بحصول أمر لأبرّه الله بحصول ذلك المقسم على حصوله فإن استطعت يا عمر أن يستغفر لك فافعل، ولا يفهم من هذا أفضليته على عمر، ولا أن عمر غير مغفور له للإجماع على أن عمر أفضل منه لأنه تابعي والصحابي أفضل منه، إنما مضمون ذلك الإخبار بأن أويساً ممن يستجاب له الدعاء، وإرشاد عمر إلى الازدياد من الخير واغتنام دعاء من تُرجى إجابته، وهذا نحو مما أمرنا النبي به من الدعاء له، والصلاة عليه وسؤال الوسيلة له وإن كان النبي أفضل ولد آدم. ثم سأله عمر أن يستغفر له فاستغفر له، ثم قال له عمر: ما هو المكان الذي سوف تذهب إليه؟ فقال: الكوفة، قال عمر: هل أكتب لك إلى أميرها ليعطيك من بيت مال المسلمين ما يكفيك؟ قال أويس: لأن أكون في عوام الناس وفقرائهم أحبّ إلي، فلما كان من العام المقبل، حج رجل من أشراف أهل الكوفة فقابل عمر فسأله عمر عن أويس فقال: تركته وبيته متواضع وأثاث بيته قليل قال عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه سيأتي عليكم أويس بن عامر، مع جماعات الغزاة من أهل اليمن من قبيلة مراد ثم من قرن وكان به برص فشفاه الله منه إلا موضع درهم، له والدة هو بار بها، لو أقسم على الله بحصول أمر لأبرّه الله بحصول ذلك المقسم على حصوله فإن استطعت يا عمر أن يستغفر لك فافعل. فأتى ذلك الرجل أويساً فقال له: استغفر لي، فقال: أويس أنت أقرب عهداً بسفر صالح فاستغفر لي، فتنبه أويس أنه لعله لقي عمر، فقال له: هل لقيت عمر؟ قال: نعم، فاستغفر أويس له فتنبه الناس لهذا الأمر فأقبلوا عليه، فخرج من الكوفة وذهب إلى مكان آخر لا يعرفه فيه الناس.

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما سمعت عمر رضي الله عنه يقول لشيء قَطُّ: إني لأظنه كذا، إلا كان كما يظن.

رواه البخاري
line

كان الصحابة يرون عمر يحكم على أمور لا تكون ظاهرة واضحة لغيره من الناس، ثم لما تتضح تلك الأمور يظهر أنَّ حكم عمر عليها قبل ظهورها كان موافقا لما وقعت وظهرت في الواقع.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأعرَاب لَقِيهَ بِطَريق مَكَّة، فَسَلَّم عَلَيه عَبد الله بنُ عمر، وَحمَلهُ على حمار كان يركَبُهُ، وَأعطَاه عِمَامَة كَانت على رأسه، قال ابن دينار: فقُلنا له: أَصْلَحَك الله، إنَّهم الأعراب وهُم يَرْضَون بِاليَسِير، فقال عبدُ الله بنَ عُمر: إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه وإنِّي سَمِعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ صِلَةُ الرَّجُل أَهْلَ وُدِّ أَبِيه». وفي رواية عن ابن دينار، عن ابن عمر: أنَّه كان إذَا خَرَج إلى مكة كان له حمار يَتَرَوَّحُ عليه إذا ملَّ رُكُوبَ الرَّاحِلة، وَعِمَامة يَشُدُّ بها رأسه، فَبينَا هو يومًا على ذلك الحمار إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِي، فقال: أَلَسْتَ فُلاَن بنَ فُلاَن؟ قال: بَلَى. فَأَعْطَاهُ الحِمَار، فقال: ارْكَب هَذَا، وَأَعْطَاهُ العِمَامَةَ وَقَالَ: اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ لَهُ بَعض أصحَابِه: غفر الله لك أَعْطَيت هذا الأعرابي حمارا كنت تَرَوَّحُ عليه، وعِمَامَة كُنتَ تشدُّ بها رأسَك؟ فقال: إِنِّي سمِعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ البِّر أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدَّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ» وَإِنَّ أَبَاه كان صَدِيقًا لِعُمَرَ رضي الله عنه .

رواه مسلم
line

كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا خرج إلى مكة حاجا يكون معه حمار يَتروَّح عليه إذا مل الركوب على الراحلة -أي البعير- فيستريح على هذا الحمار ثم يركب الراحلة. وفي يوم من الأيام لقيه أعرابي فسأله ابن عمر: أنت فلان ابن فلان؟ قال: نعم، فنزل عن الحمار وقال: خذ هذا اركب عليه، وأعطاه عمامة كان قد شد بها رأسه، وقال لهذا الأعرابي: اشدد رأسك بهذا. فقيل لعبد الله بن عمر: أصلحك الله أو غفر الله لك! إنهم الأعراب، والأعراب يرضون بدون ذلك، يعنون: كيف تنزل أنت عن الحمار تمشي على قدميك، وتعطيه عمامتك التي تشد بها رأسك، وهو أعرابي يرضى بأقل من ذلك. فقال: «إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ صِلَةُ الرَّجُل أَهْلَ وُدِّ أَبِيه»: يعني أن أبر البر إذا مات أبو الرجل أو أمه أو أحد من أقاربه أن تَبُرَّ أهل وُدِّهِ، يعني ليس صديقه فقط بل حتى أقارب صديقه. وقوله:7و "إِنَّ أبا هذا كان صديقا لعمر" أي: لعمر بن الخطاب أبيه، فلما كان صديقا لأبيه؛ أكرمه برًّا بأبيه عمر رضي الله عنه .

كل الكمال والخير في اتباع منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، علماً وعملاً.

هدايات لشرح رياض الصالحين

الإسلام دين الوسطية، وشريعة اليسر ورفع الحرج والمشقة.

هدايات لشرح رياض الصالحين