الاقسام
اكتشف مجموعتنا المتنوعة من التصنيفات التي تغطي مواضيع متعددة لتلبية اهتماماتك المختلفةبطاقات دعوية تُبرز معانٍ عظيمة لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بأسلوب يسير وعرض جذاب تعين المسلم على فهم أعمق لدينه بطريقة يسيرة
﴿ وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ﴾
سورة المؤمنون
ولقد خلقنا أبا البشر آدم عليه السلام من طين مأخوذ من جميع الأرض.
﴿ ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ﴾
سورة الأحزاب
ثم ذكر سبحانه وتعالى الأنبياء الماضين وأثنى عليهم بأنهم: الذين يُبَلِّغون رسالاتِ الله المنزلة عليهم إلى أممهم، ويخافون الله وحده في كل ما يأتون وما يذرون، وما يقولون وما يفعلون، ولا يخافون أحدًا سواه، فلا يلتفتون إلى ما يقوله غيرهم عندما يفعلون ما أحل الله لهم، وكفى بالله مراقبًا لعباده على جميع أعمالهم وحافظًا لها ومحاسبًا لهم على نيات قلوبهم وأفعال جوارحهم، وأقوال ألسنتهم وسيجازيهم على خيرها وشرها.
﴿ ثُمَّ تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٞ مَّجۡنُونٌ ﴾
سورة الدخان
ثم أعرضوا عن التصديق بما جاء به ونصرته، ولم يكتفوا بهذا الإعراض والصدود، بل قالوا: ما جاء به ليس وحيًا من عند الله، بل علَّمه هذا القرآن بشر أو كهنة أو شياطين، فهو معلم من غيره، وقالوا عنه: مجنون مختلط في عقله.
﴿ مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ﴾
سورة القصص
من جاء في دنياه بالحسنة يوم القيامة من توحيد الله وعمل الصالحات وِفْق ما شرع الله مُبتغيًا بها ثوابه؛ فله في مقابلها عندنا بفضلنا وإحساننا أجر عظيم خير من عمله الذي عمله في الدنيا، وذلك الخير هو الجنة ونعيمها الدائم، ومن جاء يوم القيامة بالأعمال السيئة من الكفر والشرك والمعاصي التي عملوها في دنياهم، فلا يُجْزى الذين عملوا السيئات على أعمالهم إلا بالجزاء الذي يناسب أعمالهم في القبح والسوء دون زيادة.
﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ ﴾
سورة إبراهيم
ومثل الكلمة الخبيثة وهي كلمة الشرك والكفر مثل الشجرة خبيثة المأكل والمطعم وهي الحنظل، ثمارها مُرّة لا يطاق طعمها، ولا نفع فيها، ولا خير يرجى منها، اقتُلِعت من أصلها؛ لأن عروقها قريبة، ليس لها ثبات في الأرض ولا ارتفاع إلى السماء، فتموت وتذروها الرياح، وكذلك الكافر لا ثبات له ولا خير فيه، ولا ينفع نفسه، ولا ينتفع به غيره، ولا يرفع له عمل طيب إلى ربه.
﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ وَإِذٗا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ﴾
سورة الأحزاب
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المنافقين: لن ينفعكم الفرار من المعركة إن فررتم خوفًا من الموت أو القتل، فإن ذلك لا يؤخر آجالكم المقدرة لكم؛ لأن كل إنسان لا بد له من نهاية تنتهي عندها حياته، سواء أكانت تلك النهاية عن طريق القتل أم عن طريق الموت على الفراش، وإن فررتم ولم تَحِن آجالكم فلن تتمتعوا في هذه الدنيا إلا زمنًا قليلًا بقدر أعماركم المحددة لكم، ثم ينزل بكم قضاء الله الذي لا مرد لكم منه.
﴿ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ ﴾
سورة هود
وأنهى نوح عليه السلام صنع السفينة التي أمره الله بصنعها، حتى إذا جاء أمرُنا بوقت نزول العذاب بهم كما وعدنا نوحًا بذلك، وفار الماء من التنور الذي كانوا يخبزون فيه كعلامة على مجيء العذاب بالطوفان، قلنا لنوح عليه السلام احمل في السفينة من كل نوع من الحيوانات على الأرض زوجين اثنين ذكرًا وأنثى، واحمل فيها أهل بيتك إلا من سبق عليه الحكم بأنه مغرق لكونه لم يؤمن فلا تحمله، واحمل معك فيها من آمن بدعوتك من قومك، ومع طول مدة دعوته واجتهاده فيها إلا أنه ما آمن معه من قومه إلا عدد قليل بعد أن لبث فيهم قرونًا يدعوهم إلى الدين الحق ليلًا ونهارًا وسرًا وعلانية.
﴿ قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ﴾
سورة الأعراف
قل -أيها الرسول- لهؤلاء الجهلة الذين يطوفون بالبيت عرايا ويحرمون ما أحل الله من اللباس والطيبات من المآكل والمشارب وغيرهما: من الذي حرَّم عليكم اللباس الحسن الذي جعله الله زينة لكم؟ ومن الذي حرَّم عليكم الطيبات من الأطعمة والأشربة وغيرهما مما رزقكم الله؟ قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إن الله أحلَّ لأهل الإيمان الطيب من الملابس والطيبات من المطاعم والمشارب في الحياة الدنيا، ويشاركهم فيها غيرهم من غير المؤمنين، وهي خالصةٌ لهم يوم القيامة في الجنة لا يشاركهم فيها كافر، وكما بينَّا ووضَّحْنا الآيات في الواجب في اللباس والزينة، والحلال في المأكل والمشرب والحرام فيهما؛ نفصل الآيات والحُجج لقوم يعلمون ما يُبيَّن لهم ويفقهون ما يقال لهم فإنهم المنتفعون بها.
﴿ فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ﴾
سورة النحل
فإذا أردت -أيها المؤمن- قراءة القرآن فإن الشيطان أحرص ما يكون عن صرفك عن فعل ما يقربك من ربك، والطريق إلى السلامة من شره الجأ إلى الله واطلب منه أن يعيذك من وساوس الشيطان المطرود من رحمة الله بأن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، معتمدا بقلبك على الله في صرفه عنك، مجتهدًا في دفع وساوسه وأفكاره الرديئة.
﴿ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ﴾
سورة المطففين
ويوم القيامة يجلس المؤمنون على الأسِّرة المزينة في الغرف؛ ينظرون إلى ربهم، وإلى ما أعده لهم من الخيرات؛ فتبتهج نفوسهم وتُسر.
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كُلُّ صَوَاحِبِي لَهُنَّ كُنًى، قَالَ: «فَاكْتَنِي بِابْنِكِ عَبْدِ اللَّهِ» يَعْنِي ابْن اخْتُهَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: فَكَانَتْ تُكَنَّى بِأُمِّ عَبْدِ اللَّهِ.
رواه أبو داود وابن ماجه
قالت عائشة رضي الله عنه: يا رسول الله كل صديقاتي أو بقية أزواجه صلى اللَّه عليه وسلم لهن كنى، قال لها عليه الصلاة والسلام: فاكتني بابنك عبد الله، وعبد الله هو ابن أختها أسماء بنت أبي بكر، قال عبد الله بن الزبير: فكانت عائشة تكنى بأم عبد الله، وإلم يكن عبد اللَّه ابنها.
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب: 59]، خَرَجَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ كَأَنَّ عَلَى رُؤوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ مِنَ الأَكْسِيَةِ.
رواه أبو داود
قالت أم سلمة رضي الله عنها: لما نزلت {يدنين عليهن من جلابيبهن} أي: يرخين عليهن من خمارهن ومن كساءهن، خرج نساء الأنصار وكأن رؤوسهن مثل رؤوس الغراب من سواد الثياب التي تَغَطَينَ بها.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: «يُرْخِينَ شِبْرًا»، فَقَالَتْ: إِذَنْ تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: «فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا، لاَ يَزِدْنَ عَلَيْهِ».
رواه الترمذي والنسائي
قال النبي صلى الله عليه وسلم: من سحب ثوبه تفاخرًا وتكبرًا، بأن جعله تحت الكعبين، لم ينظر الله له يوم القيامة، فقالت أم سلمة: فكيف يفعل النساء بذيولهن؟ قال: يرخين بمقدار شبر، قالت: إذن ستنكشف أقدامهن بالمشي، قال: فيرخينه ذراعًا، لا يزدن على ذلك، والمراد بالشبر والذراع أن يكون هذا القدر زائدًا على قميص الرجل لا أنه زائد عن الأرض.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «اختصم سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زَمْعَةَ في غلام: فقال سعد: يا رسول الله، هذا ابن أخي عُتْبَة بن أبي وقاص، عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زَمْعَةَ: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعُتْبَة، فقال: هو لك يا عبد بن زَمْعَةَ، الولد للفراش وللعاهر الحجر. واحتجبي منه يا سَوْدَة. فلم ير سَوْدَة قط».
متفق عليه
كانوا في الجاهلية يضربون على الإماء ضرائب يكتسبنها من فجورهن، ويلحقون الولد بالزاني إذا ادعاه. فزنا عتبة بن أبي وقاص في الجاهلية بأمة لزمعة بن الأسود، فجاءت بغلام، فأوصى (عتبة) إلى أخيه سعد بأن يلحق هذا الغلام بنسبه. فلمَّا جاء فتح مكة، ورأى سعد الغلام، عرفه بشبهه بأخيه، فأراد استلحاقه. فاختصم عليه هو وعبد بن زمعة، فأدلى سعد بحجته وهي: أن أخاه أقر بأنه ابنه، وبما بينهما من شبَه. فقال عبد بن زمعة: هو أخي، ولد من وليدة أبي. فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغلام، فرأى فيه شبها بيناً بعتبة. ولكن قضى به لزمعه لأن الأصل أنَّه تابع لمالك الأمة، وقال: الولد منسوب للفراش، وللعاهر الزاني الخيبة والخسار، فهو بعيد عن الولد. ولكن لما رأى شبه الغلام بعتبة، تورع صلى الله عليه وسلم أن يستبيح النظر إلى أخته سودة بنت زمعة بهذا النسب، فأمرها بالاحتجاب منه، احتياطا وتورُعاً.
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا نَحْوَ أَرْضِ الحَبَشَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ وَهُوَ سَيِّدُ القَارَةِ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ وَأَعْبُدَ رَبِّي، قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ وَلاَ يُخْرَجُ، إِنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، فَأَنَا لَكَ جَارٌ، ارْجِعْ وَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ، فَرَجَعَ وَارْتَحَلَ مَعَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ عَشِيَّةً فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلاَ يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ المَعْدُومَ وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، فَلَمْ تُكَذِّبْ قُرَيْشٌ بِجِوَارِ ابْنِ الدَّغِنَةِ، وَقَالُوا: لِابْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ فِيهَا وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلاَ يُؤْذِينَا بِذَلِكَ وَلاَ يَسْتَعْلِنْ بِهِ، فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لِأَبِي بَكْرٍ، فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَلاَ يَسْتَعْلِنُ بِصَلاَتِهِ، وَلاَ يَقْرَأُ فِي غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ، وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَنْقَذِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً، لاَ يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ، وَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ بِجِوَارِكَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَأَعْلَنَ بِالصَّلاَةِ وَالقِرَاءَةِ فِيهِ، وَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَانْهَهُ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لِأَبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلاَنَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيَّ ذِمَّتِي، فَإِنِّي لاَ أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسْلِمِينَ: «إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ» وَهُمَا الحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ إِلَى المَدِينَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ المَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ وَهُوَ الخَبَطُ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَقَنِّعًا. فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ، بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ، بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بِالثَّمَنِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الجِهَازِ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا، فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلاَثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ غُلاَمٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ، فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلاَ يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ، حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلاَمُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ، فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ، وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا، حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلاَثِ، وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ، هَادِيًا خِرِّيتًا، وَالخِرِّيتُ المَاهِرُ بِالهِدَايَةِ، قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ العَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلاَثٍ، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَالدَّلِيلُ، فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ.
رواه البخاري
قالت عائشة رضي الله عنها: لم أعرف أبواي أبا بكر وأم رومان إلا وهما يدينان بدين الإسلام، وُلدتُ وهما مسلمان، ولم يَمُرَّ علينا يومٌ إلا جاءنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم أول النهار وآخره، فلما ابُتلي المؤمنون بأذى المشركين وأذن صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة خرج أبو بكر ليهاجر إلى الحبشة، فلما وصل موضعًا اسمه بَرْك الغِماد التقى به ابن الدَّغِنَة، وهو سيد قبيلة القارة، فسأله: إلى أين ستذهب يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: تسبب قومي في إخراجي، فأريد أن أسير في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: إن من مثلك يا أبا بكر لا يُخرَج من أرضه ولا يَخرج ويَتركها؛ لأنك تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، وتصل القرابة، وتُكرم الضيف، وتساعد على حوادث الحق، وخروج مثلك خسارة لقومك، فأنا مجيرٌ لك مؤمِّنُكَ ممن أخافك منهم، فارجع واعبد ربك ببلدك، فدار ابن الدغنة في سادات قريش، فقال لهم: إن أبا بكر مثله لا يُخرج ولا يخرج، وذكر لهم الأسباب التي قالها. فلم تنكر قريش إجارة وحماية ابن الدغنة، واشترطوا عليه، فقالوا له: اجعل أبا بكر يعبد ربَّه في بيته، فليصلِّ فيه ويقرأ ما يريد، ولا يؤذينا بذلك ولا يجهر به، فإننا نخاف أن يُخرِجَ نساءنا وأبناءنا من دينهم إلى دينه، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فمكث أبو بكر يعبد ربه في بيته، ولا يجهر بصوته، ولا يقرأ في مكانٍ آخر غير بيته، ثم ظهر لأبي بكر رأي في أمره بخلاف ما كان يفعله، فبنى مسجدًا في امتداد بيته أمامه، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فجعل نساء المشركين وأبناؤهم يزدحمون عليه، وهم معجبون به وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا كثير البكاء، لا يملك دمع عينيه إذا قرأ القرآن من رقة قلبه، فأخاف ذلك أسيادَ قريش من المشركين، لما يعلمون من رقة قلوب النساء والشباب أن يميلوا لدين الإسلام، فطلبوا ابن الدغنة فجاء إليهم، فقالوا: إنا قد أمّنا أبا بكر بجوارك، بشرط أن يعبد ربه في بيته، ولقد تعّدى ذلك، فبنى مسجدًا بفناء داره، وجهر بالصلاة والقراءة فيه، وقد خِفْنا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فيدخلوا في دينه، فاجعله ينتهي عن فعل هذا، فإذا أحب أن يعبد ربه في بيته فقط فليفعل، وإذا امتنع وأراد أن يجهر بذلك فسأله أن يُرجع إليك عهدك له، فإنا لا نحب أن ننقض عهدك، ولن نترك الإنكار على أبي بكر في الجهر بالعبادة؛ خوف نسائنا وأبنائنا، قالت عائشة: فجاء ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال له: لقد علمت الشرط الذي عاهدتك عليه من عدم الإجهار، فإما أن تبقى على الشرط الذي شرطوه، وإما أن تُرجع لي عهدي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني غُدِرت رجلًا عقدت له عقدًا، فقال أبو بكر: فأنا أردّ لك أمانك لي، وأرضى بأمان الله وحمايته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وقتها بمكة، فقال النبي للمسلمين: لقد رأيت مكان هجرتكم، وفيها نخل وهي بين أرضين بهما حجارة سوداء، فهاجر من هاجر من المسلمين إلى المدينة، وعاد أغلب من كان في الحبشة إلى المدينة، واستعد أبو بكر طالبًا للهجرة من مكة إلى المدينة، فقاله له النبي عليه الصلاة والسلام: على مهلك، فإني آمل أن يؤذن لي في الهجرة، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك أفديك بأبي؟ قال: نعم، فامتنع أبو بكر عن الهجرة ليصحب النبي عليه الصلاة والسلام، وأطعم أبو بكر راحلتين من الإبل كانتا عنده من ورق السمر، وهو ما يخبط بالعصا فيسقط من ورق الشجر، فبات يطعمهما منه لمدة أربعة أشهر، قالت عائشة: فبينما نحن في يوم جالسين في بيت أبي بكر في أول الزوال عند شدة الحر، قال شخص لأبي بكر: هذا النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء مغطيًّا رأسه، جاء في وقت لم يكن يأتينا فيه، فقال أبو بكر: أفديه بأبي وأمي، والله لم يأتِ به في هذا الوقت إلا أمر حدث، لأن عادته أن يأتي إليهم في أول النهار وآخره، لا في وسطه، قالت عائشة رضي الله عنها: فجاء عليه الصلاة والسلام فاستأذن في الدخول، فأذن له فدخل، فقال لأبي بكر: أخرج الذين معك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك يقصد عائشة وأمها وأختها، أفديك بأبي يا رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام: فإني قد أذن الله لي في الخروج إلى المدينة، فقال أبو بكر: هل تسمح أن أصاحبك بأبي أنت يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: نعم، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال عليه الصلاة والسلام: لا آخذها إلا بعد دفع ثمنها، قالت عائشة: فجهزنا الراحلتين أسرع تجهيز وصنعنا لهما زادًا في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من ملابسها التي تشد به وسطها، فربطت به على فم الجراب، ولذلك سميت ذات النطاقين. قالت عائشة رضي الله عنها: ثم ذهب النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر إلى غار في جبل ثور، فجلسا فيه ثلاث ليال، يبيت في الغار معهما عبد الله بن أبي بكر الصديق، وهو غلام شاب حاذق سريع الفهم، فيخرج من عندهما وقت السحر، فيصبح وهو في قريش بمكة، وكأنه بات فيها لشدة رجوعه في الخفاء، فلا يسمع خبرًا من قريش فيه المكروه لهما إلا حفظه، فيأتيهم بذلك الخبر حين يأتي الظلام، ويحفظ لهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر شاة من غنم، فيتركها تذهب لهما في ساعة من العِشاء كل ليلة، فيحلبان ويشربان، فيبيتان في رسل، وهو اللبن الموضوع فيه الحجارة المحماة لتذهب وخامته وثقله، حتى يسمعان صوت عامر بن فهيرة، وهو يزجر الغنم في ظلام آخر الليل، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث التي أقاما فيها بالغار، واستأجر النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر رجلًا من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي، يهديهما إلى الطريق وكان ماهرًا بالهداية، وقد كان حليفًا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو كافر فائتمناه فأعطوه راحلتيهما، وواعداه في غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صباح اليوم الثالث وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل عبد الله بن أريقط، فقادهم إلى المدينة من طريق السواحل.
عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ قَالَ: جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ، أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلاَنًا وَفُلاَنًا، انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا، ثُمَّ لَبِثْتُ فِي المَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ، فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ البَيْتِ، فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الأَرْضَ، وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ، حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا، فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي، حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَى كِنَانَتِي، فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلاَمَ فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا: أَضُرُّهُمْ أَمْ لاَ، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَعَصَيْتُ الأَزْلاَمَ، تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ لاَ يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ، سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الأَرْضِ، حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً، إِذَا لِأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِالأَزْلاَمِ، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَنَادَيْتُهُمْ بِالأَمَانِ فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ الحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالمَتَاعَ، فَلَمْ يَرْزَآنِي وَلَمْ يَسْأَلاَنِي إِلَّا أَنْ قَالَ: «أَخْفِ عَنَّا»، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ الزُّبَيْرَ فِي رَكْبٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، كَانُوا تِجَارًا قَافِلِينَ مِنَ الشَّأْمِ، فَكَسَا الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ثِيَابَ بَيَاضٍ، وَسَمِعَ المُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ، فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الحَرَّةِ، فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ، فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ، أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ، لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ، فَلَمْ يَمْلِكِ اليَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعَاشِرَ العَرَبِ، هَذَا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، فَثَارَ المُسْلِمُونَ إِلَى السِّلاَحِ، فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِظَهْرِ الحَرَّةِ، فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ، حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأُسِّسَ المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ، لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ غُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ: «هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ المَنْزِلُ»، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغُلاَمَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ، لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالاَ: لاَ، بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ، وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ: «هَذَا الحِمَالُ لاَ حِمَالَ خَيْبَرْ، هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ»، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ، فَارْحَمِ الأَنْصَارَ، وَالمُهَاجِرَهْ»، فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي الأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ تَامٍّ غَيْرَ هَذَا البَيْتِ.
رواه البخاري
عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه إلى المدينة في رحلة الهجرة قال سراقة بن مالك بن جعشم المُدْلِجي: جاءنا رسلٌ من كفار قريش، وجعلوا مقابل النبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكر مائةَ ناقةٍ، وهي تساوي دية كل واحد منهما، تدفعُ جائزةً لمن يقتلهما أو يأسرهما، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، إذ جاء رجل منهم قائم علينا ونحن جالسون، فقال: يا سراقة، لقد رأيتُ سابقًا أشخاصًا قريبًا من الشاطئ، أظنهم محمد وأصحابه، قال سراقة: فعلمت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا، انطلقوا من أمامنا، ثم بقيتُ في المجلس ساعةً، ثم قمت فدخلت منزلي، وأمرت جاريتي أن تخرج وتأخذ فرسي، فتمسكها لي من وراء رابية مرتفعة، وأخذت رمحي، فخرجت به من خلف البيت، فخفضت أعلى الرمح وجررت بالحديد الذي في أسفله على الأرض، لئلا يظهر بريقه لمن بعُد منه فينذر به وينكشف أمره؛ لأنه كره أن يتبعه أحد فيشاركه في الدية، حتى جئتُ فرسي فركبتها، فأسرعتُ بها السير، حتى اقتربت منهم، فتعثرت فرسي فسقطت منها، فقمت ومددت يدي إلى كيس السهام، فأخرجت منها الأزلام وهي أقلام كانوا يكتبون على بعضها نعم وعلى بعضها لا، وبعضها لا كتابة عليها، وكانوا إذا أرادوا أمرًا استقسموا بها، فإذا خرج السهم الذي عليه نعم فعلوا ما ترددوا في فعله، وإذا خرج الآخر لم يفعلوا، فاستقسمت بها: هل أؤذيهم أم لا، فخرج لي ما كرهت وهو ألا أؤذيهم، فركبت فرسي، وخالفت الأزلام، تقترب بي فرسي منهم، حتى سمعت قراءة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، فغاصت يدا فرسي في الأرض حتى وصلتا الركبتين، فسقطت منها، ثم حثثتها على القيام فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما قامت خرج من موضع يديها غبار ساطع منتشر في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج لي ألا أؤذيهم، فناديتهم أن يقفوا ولا أؤذيهم فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، فأيقنت في نفسي حين عانيت ما عانيت ومُنعت منهم أنه سيظهر أمر النبي عليه الصلاة والسلام، فقلت له: إن قريشًا قد جعلوا فيك الدية يدفعونها لمن يقتلك أو يأسرك، وأخبرتهم ما يريد الناس بهم من الحرص على الظفر بهم وغير ذلك، وعرضت عليهم أن أعطيهم الطعام وما يحتاجونه، فلم ينقصاني ولم يسألاني شيئًا مما معي، إلا أن قال عليه الصلاة والسلام: أَخْفِ أمرنا على من وراءك، فسألته أن يكتب لي كتابًا يأمنني به إذا ظهر أمره، فأمر عامر بن فهيرة مولى أبي بكر فكتب لي في رقعة من جلد مدبوغ، ثم مضى النبي صلى الله عليه وسلم. قال عروة بن الزبير -وقوله هذا جاء متصلا في كتب أخرى-: لقي النبي صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام مع جماعة من المسلمين، كانوا تجارًا راجعين من الشام، فأعطى الزبير للنبي عليه الصلاة والسلام ولأبي بكر ثيابًا بيضاء، وسمع المسلمون بالمدينة خروج النبي عليه الصلاة والسلام من مكة، فكانوا يخرجون كل صباح إلى الحرة، فينتظرونه حتى يرجعهم حر الظهيرة، فرجعوا يومًا بعدما طال انتظارهم له، فلما رجعوا إلى بيوتهم، طلع رجل من اليهود على حصن من حصونهم، لينظر إلى أمر، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر عليهما الثياب البيض، يزول بهم السراب المرئي في شدة الحر، فلم يملك اليهودي نفسه فقال بأعلى صوته: يا معاشر العرب، هذا صاحب دولتكم الذي تنتظرونه، فهاج المسلمون وأخذوا أسلحتهم، وانتظروا النبي عليه الصلاة والسلام في الأرض التي عليها الحجارة السود، فمال بهم إلى اليمين، حتى نزلوا في بني عمرو بن عوف، وكان ذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس يتلقاهم، وجلس النبي عليه الصلاة والسلام ساكتًا، فشرع من جاء من الأنصار ممن لم ير النبي عليه الصلاة والسلام يسلم على أبي بكر يظنه النبي عليه الصلاة والسلام، حتى أصابت الشمس النبي عليه الصلاة والسلام فجاء أبو بكر فجعل ردائه ظلًّا للنبي صلى الله عليه وسلم، فعرف الناس النبي عليه الصلاة والسلام حينها. فمكث عليه الصلاة والسلام في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وبنى المسجد الذي ذُكر في القرآن أنه بني على التقوى، وهو مسجد قباء، وصلى فيه النبي عليه الصلاة والسلام، ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى جلستْ عند موضع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان هذا هو المكان الذي يجفف فيه التمر، ويملكانه سهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال عليه الصلاة والسلام حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل، ثم طلب عليه الصلاة والسلام الغلامين، فناقشهما في بيع الأرض ليتخذها مسجدًا، فقالا: لا نبيعه، بل نعطيه لك هدية، يا رسول الله، فلم يقبل النبي عليه الصلاة والسلام حتى اشتراه منهما، ثم بناه مسجدًا، وشرع النبي صلى الله عليه وسلم ينقل معهم الطين، وهم يبنون، ويقول وهو ينقله: هذا المحمول من الطين أبر عند الله وأطهر عند الله، لا حمال خيبر الذي يحمل منها من التمر والزبيب ونحوهما، والذي يغتبط به حاملوه، هذا أبقى ذخرًا عند الله عز وجل وأكثر ثوابًا وأدوم نفعًا يا ربنا وأطهر من حمال خيبر، ويقول: اللهم إن الأجر أجر الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة، فقال بشعر رجل من المسلمين لم يذكر اسمه لي، قال ابن شهاب الزهري: ولم يصلنا في الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذا البيت، وقد قال غيره كما ثبت في أحاديث صحيحة لم تبلغه، والممنوع عليه النبي صلى الله عليه وسلم إنشاء الشعر لا إنشاده.
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيْتُ المَدِينَةَ فَنَزَلْتُ قُبَاءً، فَوَلَدْتُ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ حَنَّكَهُ بِالتَّمْرَةِ، ثُمَّ دَعَا لَهُ، فَبَرَّكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الإِسْلاَمِ، فَفَرِحُوا بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا، لِأَنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ اليَهُودَ قَدْ سَحَرَتْكُمْ فَلاَ يُولَدُ لَكُمْ.
متفق عليه
أخبرت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أنها حملت بابنها عبد الله بن الزبير في مكة، فخرجتُ من مكة مهاجرة إلى المدينة وقد شارفت تمام الحمل، قالت: فجئتُ إلى المدينة فنزلت في قباء، وولت في قباء، ثم جئت بعبد الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فوضعته في حجره عليه الصلاة والسلام، فأمر بإحضار تمرة فمضغها ثم بزق عليه الصلاة والسلام في فمه، فكان أول شيء دخل جوف عبد الله هو ريق النبي عليه الصلاة والسلام، ثم دلك حنكه بالتمرة، ثم دعا له بالبركة، وكان عبد الله بن الزبير أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة بعد الهجرة من أولاد المهاجرين، ففرح به المسلمون فرحًا شديدًا؛ لأنهم قيل لهم: إن اليهود عملت لكم سحرًا فلا يُولَد لكم.
عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها).
رواه الترمذي وابن ماجه
يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن فضل من يموت بالمدينة، وأنه عليه الصلاة والسلام يشفع لمن يموت بها، وفيه الترغيب على العيش في المدينة حتى يحصل له الموت فيها؛ لنيل شفاعته عليه الصلاة والسلام، كمقوله تعالى: (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)، أي اثبتوا على الإسلام حتى تموتوا عليه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «خَيْرُ يومٍ طَلَعَتْ عليه الشمس يومُ الجُمعة: فيه خُلِقَ آدَم، وفيه أُدْخِلَ الجَنة، وفيه أُخْرِجَ منها».
رواه مسلم
يُخبر النبي صلى الله عليه وسلم : أن خيْر يومٍ طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وهو أبو البَشر خلقه الله عز وجل بيده، خلقه من تراب وكان ذلك يوم الجمعة، وفيه أُدخل جنة المأوى التي يأوي إليها البشر، أدخله الله الجنة هو وزوجه، وفي يوم الجمعة أمره الله تعالى بأن يخرج من الجنة ولم يكن إخراجه للإهانة، بل لما اقتضته حكمة الله تعالى .
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنه لَيَأتي الرَّجلُ السَّمين العظيم يوم القيامة لا يَزِنُ عند الله جَناح بَعُوضة».
متفق عليه
إن الرجل العظيم صاحب البنية الضخمة المتعاظم على خلق الله في الدنيا المتجبر المتغطرس بأفعاله وأقواله، فإنه يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، ولا تكون له قيمة ولا منزلة.
التوبة سبب للفلاح، والموفْق من عباد الله من سعىٰ إلىٰ باب من أبواب الفلاح فلزمه.
هدايات لشرح رياض الصالحين
البحث برقم الصفحة أو النص 3) إن المبادرة إلىٰ التوبة والتعجيل بها من أسباب رضا الله عن عبده.
هدايات لشرح رياض الصالحين
المؤمن إذا أحب قوماً من أهل الإيمان صار معهم، وإن قصّر به عمله.
هدايات لشرح رياض الصالحين
النية الصادقة تكمل عمل المؤمن، وإن لم يباشره
هدايات لشرح رياض الصالحين
خير أيام العبد علىٰ الإطلاق وأفضلها يوم توبة الله عليه، وقبول توبته
هدايات لشرح رياض الصالحين
من ندم علىٰ الذنب وفقه الله للتوبة وأعانه عليها.
هدايات لشرح رياض الصالحين
من أحبه الله تعالىٰ ابتلاه؛ ليدفع عَنْهُ مكروهاً، أو يكفّر عنه ذنباً، أو يرفع له درجةً في الدنيا والآخرة
هدايات لشرح رياض الصالحين
من أفضل النعم علىٰ العبد أن يكون صابراً في كل أموره.
هدايات لشرح رياض الصالحين
إذا استغنىٰ العبد بما عند الله عما في أيدي الناس أغناه الله عن الناس، وجعله عزيز النفس بعيداً عن السؤال.
هدايات لشرح رياض الصالحين