الاقسام
اكتشف مجموعتنا المتنوعة من التصنيفات التي تغطي مواضيع متعددة لتلبية اهتماماتك المختلفةبطاقات دعوية تُبرز معانٍ عظيمة لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بأسلوب يسير وعرض جذاب تعين المسلم على فهم أعمق لدينه بطريقة يسيرة
﴿ ۞ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ ﴾
سورة الزخرف
ولما حسب المشركون أن عيسى ابن مريم عليه السلام الذي عبده النصارى داخل في عموم قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ)، وقال المشركون: رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلة عيسى، فأنزل الله قوله: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)، فالذي يُلْقى في النار من آلهة المشركين من رضي بعبادتهم إياه، إذا قومك -أيها الرسول- المكذبون لك يضجُّون ويصيحون فرحًا ويزعمون أنهم قد غلبوا في حجتهم.
﴿ بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ ﴾
سورة النمل
هل كمل علمهم بالآخرة فأيقنوا بها وما فيها مِن أهوال، حين عاينوا ما أعد لهم فيها من عذاب، بعد أن كانوا ينكرون البعث والحساب في الدنيا؟ بل عَمِيت بصائرهم عن الآخرة، ولم يكن في قلوبهم من وقوعها ولا احتمال، لذلك أنكروها واستبعدوها.
﴿ وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ﴾
سورة النحل
ولا تخدعوا الآخرين بسبب أيمانكم الآثمة، فتجعلوا الأيمان التي تحلفونها خديعة يخدع بعضكم بعضًا بها وإفساد ما بينكم من مودة، تتبعون فيها أهواءكم تنقضونها متى شئتم، وتوفون بها متى أردتم، فإن فعلتم ذلك زلقت أقدامكم عن الصراط المستقيم بعد أن كانت ثابتة عليه، وذقتم ما يسوؤكم ويحزنكم من العذاب في الدنيا من المصائب والخوف والجوع؛ بسبب إعراضكم عن أوامر الله ونواهيه وبما تسببتم فيه من منع غيركم عن الدخول في الإسلام لما رأوه منكم من الغدر فجعله ينفر منكم ومن دينكم، ولكم في الآخرة عذاب مضاعف.
﴿ لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلٞ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلٞۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ﴾
سورة الزمر
أولئك الخاسرون يوم القيامة يقاسون في جهنم ألوانًا من العذاب، لهم مِن فوقهم ظلل من دخان ونيران وحر، ومن تحتهم مثله، فهم محاطون بها من كل جانب، ولا يستطيعون التفلت منها، ذلك العذاب الموصوف يُخوِّف الله به عباده حتى يحذروا ما يوصل إليه، ويجتنبوا كل قول أو فعل من شأنه أن يفضي إلى النار، يا عباد فاتقوني بامتثال أوامري واجتناب نواهيَّ لكي تنالوا رضائي وجنتي، وتبتعدوا عن سخطي وناري.
﴿ إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ﴾
سورة الأحزاب
إن تُظْهِروا شيئًا على ألسنتكم -أيها الناس- مما يؤذي رسول الله ﷺ مما نهاكم الله عنه، أو تخفوه في نفوسكم، فلن يخفى على الله منه شيء، فإن الله يعلم ما في قلوبكم وما أظهرتموه، وسيحاسبكم عليه ويجازيكم على أعمالكم خيرها وشرها.
﴿ فَلَمۡ يَكُ يَنفَعُهُمۡ إِيمَٰنُهُمۡ لَمَّا رَأَوۡاْ بَأۡسَنَاۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ فِي عِبَادِهِۦۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ﴾
سورة غافر
فلم يَك ينفعهم إيمانهم هذا حين عاينوا عذابنا ينزل بهم، وذلك لأنه إيمان قد اضطروا إليه، وليس إيمانًا عن اختيار ورغبة، سنة الله التي سنَّها في الأمم كلها بحيث لا تتخلف في أي زمان أو مكان؛ أنه لا ينفع أمة إيمانهم إذا عاينوا العذاب، وهلك الكافرون حين نزول العذاب بهم؛ بسبب كفرهم بالله ورفض الانقياد له وطاعته.
﴿ فَمَن تَوَلَّىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ﴾
سورة آل عمران
فمن أعرض عن العمل بهذا العهد المؤكد الذي أخذه الله على أنبيائه وابتعد عن الحق فهو من الخارجين عن دين الله وطاعته، واستحق الخلود في النار إن لم يؤمن بمحمد ﷺ.
﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ فَمُسۡتَقَرّٞ وَمُسۡتَوۡدَعٞۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَفۡقَهُونَ ﴾
سورة الأنعام
والله هو الذي ابتدأ خلقكم -أيها الناس- من نفس واحدة، فبدأ خلق أبيكم آدم عليه السلام من طين، ثم خلق منه زوجه حواء، ثم خلقكم منهما، وخلق لكم مستقرًا تستقرون فيه وأنتم أجنة وهو أرحام الأمهات، ومستودعًا تُحفظون فيه وهو أصلاب آبائكم، قد بينا الآيات لقوم يفهمون كلام الله ويعون معناه.
﴿ قُلۡ صَدَقَ ٱللَّهُۗ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ﴾
سورة آل عمران
قل -أيها النبي- لهؤلاء اليهود ولغيرهم الذين جادلوك بالباطل: صدق الله فيما أخبر به عن يعقوب عليه السلام وفي كل ما أخبرنا به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، فإن كنتم تعظمون إبراهيم عليه السلام فاتبعوا دينه الذي أنا عليه دين الإسلام، فإنه الحق الذي لا شك فيه، وقد كان إبراهيم عليه السلام لا ينحرف عن الحق إلى غيره من الأديان أو الأقوال أو الأفعال الباطلة، بل كان لربه مفردًا بالعبادة والطاعة، وما كان إبراهيم عليه السلام من الذين يشركون مع الله آلهة أخرى، وإنما كان مخلصًا عبادته لله وحده.
﴿ وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ﴾
سورة إبراهيم
وقال الشيطان بعد أن حاسب الله خلقه ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار مخاطبًا لأهل النار ومتبرئًا منهم: إن الله وعدكم الوعد الحق على ألسنة رسله بالبعث والجزاء فلم تطيعوه فأوفى بما وعد به، ووعدتكم وعدًا باطلًا أنه لا بعث ولا جزاء فلم أُوفِ ما وعدتكم ومنيتكم به من الأماني الباطلة، وما كان لي عليكم من قوة أقهركم بها على اتباعي، ولكن دعوتكم إلى الكفر والضلال وزينت لكم المعاصي؛ فسارعتم إلى اتباعي اتباعًا لأهوائكم وشهواتكم، فإذا كانت الحال بهذه الصورة فلا تلوموني على ما حصل لكم من الضلال، ولكن لوموا أنفسكم فالذنب ذنبكم، ما أنا بمغيثكم ومنقذكم برفع العذاب عنكم ولا أنتم بمغيثيَّ مما أنا فيه من عذاب الله، إني تبرأت من جعلكم إيايَّ شريكًا لله في الطاعة في الدنيا -وهكذا تخلى الشيطان عن كل من أغواهم- إن الظالمين لأنفسهم بطاعة الشيطان فقعوا في الشرك والكفر بالله لهم عذاب موجع شديد الإيلام ينتظرهم في الآخرة.
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] حتى فرغ من الآية كلها.
رواه البخاري
كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤال استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويستثنى من هذا صحابي كان يعيَّر بأنه ليس ابنًا لأبيه حقيقةً فسأل عن ذلك، فهذا لا يعتبر استهزاءً، بل المراد غيره، ويقول الرجل الذي ضاعت ناقته: أين ناقتي؟ استهزاءً أيضًا، أي ما دمتَ رسول الله فأخبرني بهذا الأمر الغيبي، فأنزل الله فيهم هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم}، فإن كان السائل من المنافقين فهذا النهي للمؤمنين أن يتشبهوا بهم، ويتأثروا بأخلاقهم، وإن كان السائل من جُهَّال المؤمنين فهذا نهي أن يعودوا لمثل ذلك، فقرأها حتى انتهى من الآية كلها، فقد نهاهم الله عن سؤال مثل هذه الأسئلة؛ لما فيها من الاستهزاء وعدم الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعن سؤال ما عفا الله عنه وسكت عنه، أما السؤال عن حكمٍ خَفِيَ عن السائل أو عن معنى آية مما يترتب عليه نفع في الدين فمأمور به.
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مفاتح الغيب خمس: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير}".
رواه البخاري
أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خزائن الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، فمن ادعى علمَ شيءٍ منها فقد كفر بالقرآن العظيم، وإنما ذكر خمسًا وإن كان الغيب لا يتناهى؛ لأن العدد لا ينفي زيادةً عليه أو لأن هذه الخمس هي التي كانوا يدَّعون علمها، فقرأ عليه الصلاة والسلام الآية: {إن الله عنده علم الساعة} أي علم قيامها فلا يعلم ذلك نبي مرسل ولا ملك مقرَّب، ولا يجليها لوقتها إلا هو تعالى، {وينزل الغيث} فلا يعلم وقت إنزاله من غير تقديم ولا تأخير، وفي أي مكان دون أن يجاوزه إلا هو سبحانه، لكن إذا أمر به علمتْه ملائكته الموكلون به ومن شاء الله من خلقه، لأنه قال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول} الآية، {ويعلم ما في الأرحام}مما يريد أن يخلقه أذكر أم أنثى أتام أم ناقص، لا أحدَ سواه لكن إذا أمر بكونه ذكرا أو أنثى أو شقيا أو سعيدا علمه الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء من خلقه، وكم من متطبب يحدد جنس الجنين فيخرج بخلاف ما حدد،{وما تدري نفس ماذا تكسب غدا} في دنياها أو أخراها من خير أو شر، {وما تدري نفس بأي أرض تموت} أفي بلدها أم في غيرها أفي بحر أو بر سهل أو جبل، فليس أحد من الناس يدري أين وفاته من الأرض {إن الله عليم خبير}.
عن جابر رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} [الأنعام: 65] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك»، قال: {أو من تحت أرجلكم} [الأنعام: 65]، قال: «أعوذ بوجهك» {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} [الأنعام: 65] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أهون أو هذا أيسر».
رواه البخاري
لما نزلت هذه الآية: {قل هو القادر} أي الكامل القدرة ({على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} كالحجارة التي أمطر بها قوم لوط، قال صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك، {أو من تحت أرجلكم} كالرجفة والخسفة التي أصابت قوم صالح وقارون، قال صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك أي من عذابك، {أو يلبسكم شيعا} أي يخلطكم فرقًا مختلفين على أهواء شتى، {ويذيق بعضكم بأس بعض} بالقتال بينهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أهون أو هذا أيسر، أي مما قبله؛ لأن الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهون وأيسر من عذاب الله تعالى.
عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تِطْوافًا؟ تجعله على فرجها، وتقول: اليومَ يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أُحِلُّه فنزلت هذه الآية {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31].
رواه مسلم
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت المرأة قبل الإسلام تطوف بالبيت الحرام وهي عريانة ليس عليها رداء، فتقول: من يعيرني ثوبًا لتطوف به، تجعل الثوب على فرجها لتتستر به، وتقول: اليومَ يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أُحِلُّه وقريش كانت ابتدعت في الحج أمورًا، منها منع الطواف بالبيت إلا عريانًا إلا أن يكون أحمسيا، وهم ولد كنانة، أو من أعاره أحمسيٌّ لباسًا يطوف فيه، فإن طاف من لم يكن كذلك في ثيابه ألقاها، فلا ينتفع بها هو ولا غيره، وكان هذا الحكم منهم عاما في الرجال والنساء، ولذلك طافت هذه المرأة عريانة، وأنشدت الشعر المذكور، فلما جاء الإسلام ستر الله تعالى هذه العورات ورفع هذه الآثام، فأنزل الله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} وأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يطوف بالبيت عريان، وفُهِم من هذا الأمر وجوب ستر العورة للصلاة.
عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا" قال: فتقدم الفتيان ولزم المشيخة الرايات فلم يبرحوها، فلما فتح الله عليهم، قال المَشْيَخة: كنا رِدْءًا لكم، لو انهزمتم لَفِئْتُم إلينا، فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى، فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا، فأنزل الله عز وجل: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} [الأنفال: 1] إلى قوله: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} [الأنفال: 5] يقول: فكان ذلك خيرًا لهم، فكذلك أيضًا، فأطيعوني، فإني أعلم بعاقبة هذا منكم.
رواه أبو داود
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا، وهو ما يعطاه المجاهد زيادةً على نصيبه من المغنم، من أجل أنه قام بجهد خاص، فتقدم الفتيان للجهاد، وجلس الكبار مع الرايات لم يتجاوزوها، فلما فتح الله عليهم بالنصر، قال الكبار للفتيان: كنا وقايةً ومرجعًا لكم لو انهزمتم لصرتم ورجعتم إلينا، فلا تذهبوا أنتم بالغنيمة، ونبقى بدون نصيب، فلم يوافق الفتيان على ما طلبه منهم الكبار، وقالوا: إن الفيء جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا، فأنزل الله عز وجل: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} أي: يضعها حيث يشاء، والمغنم استقر حكمه بعد ذلك، أنه يشترك فيه الجميع، ولكن النفل هو الذي يختص به من يكون له جهد خاص، وفُسِّرت الأنفال في الآية بالمغانم، إلى قوله: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون} ثم كان ذلك الذي كرهوه خيرًا لهم، ونصرًا وغنيمةً، فكذلك فأطيعوني في هذا الذي أمركم به، وفي كل الأوامر تحمدون العاقبة، وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} أي هذا الذي حصل بينكم من الخلاف لابد أن تعملوا على إصلاحه وعلى إزالته، فإني أعلم بعاقبة هذا منكم، أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم العاقبة والنتيجة لهذا الأمر، وأن ذلك خير لهم إذا أطاعوه واستجابوا لما يأمرهم به، ولو كان في ذلك شيء من التفاوت بأن يعطى أحد من أجل قيامه بجهد خاص شيئًا زائدًا، وأما الغنيمة فيشترك فيها الجميع.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} شق ذلك على المسلمين، حين فُرِض عليهم ألا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف، فقال: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) قال: فلما خفف الله عنهم من العِدَّةِ نقص من الصبر بقدر ما خَفَّفَ عنهم.
رواه البخاري
أخبر ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما نزل قوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} عَظُم على المسلمين؛ لما تضمنته من وجوب الثبات أمام هذا العدد، وألا يفرَّ واحدٌ من عشرة، فجاء التخفيف بالآية الأخرى، فقال: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين)، فصار الحكم وجوب الثبات أمام الاثنين من العدو لكلِّ واحد من المسلمين، قال ابن عباس: فلما خفف الله عنهم من العِدَّةِ نقص من صبرهم بقدر ما خَفَّفَ عنهم، فصبر العشرين مقابل المائتين أكبر من صبر المائة مقابل المائتين، ولو كان الفرض هو الحكم الأول لأقدرهم ومكَّنهم الله تعالى من القيام به.
عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: ما أبالي ألا أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أن أَسقي الحاج، وقال آخر: ما أبالي ألا أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أن أَعْمُر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو يوم الجمعة- ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله عز وجل: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر} [التوبة: 19] الآية إلى آخرها.
رواه مسلم
روى النعمان بن بشير رضي الله عنهما أنه كان عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختلف رجال في أفضل الأعمال بعد الإسلام، فقال رجل: لا أهتم ألا أعمل عملًا بعد إسلامي إلا سقاية الحاج، فإني أهتم إن لم أعمله، وقال آخر: لا أهتم ألا أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أن أتعاهد المسجد الحرام وأقوم بمصالحه، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل من الأعمال التي قلتم، فناههم عمر رضي الله عنه وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الراوي: وهو يوم الجمعة، أراد تعيين اليوم الذي حصل فيه هذا الاختلاف، قال عمر: ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فيما اختلفتم فيه ليتبين الراجح من الأقوال، فأنزل الله عز وجل: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر} إلى آخر الآية، أي أجعلتم صاحب سقاية الحاج وعمارة المسجد مثل من آمن بالله وجاهد في سبيله، فخرجت الآية مخرج إنكار أن يكون كل واحد من الأمرين المذكورين أفضل من الجهاد، وقد نفيت المساواة بين أحدهما والجهاد، فيتعين أن يكون الجهاد أفضل، وظاهر هذه الآية أنها مبطلة قول من افتخر من المشركين بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام.
عن أبي مسعود قال: لما أُمِرنا بالصدقة كنا نتحامل، فجاء أبو عَقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رئاء، فنزلت: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات، والذين لا يجدون إلا جهدهم} [التوبة: 79] الآية.
متفق عليه
قال أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه: لما أُمِرنا بالصدقة، وهو قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} الآية [التوبة: 103]، كنا نتحامل أي: نحمل على ظهورنا بالأجرة ونتصدق من تلك الأجرة، أو نتصدق بها كلها، ففيه الحث على الاعتناء بالصدقة، وأنه إذا لم يكن له مال فليعمل لتحصيل ما يتصدق به من من الأعمال المباحة، فجاء أبو عَقيل بنصف صاع، وجاء شخص آخر بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا أي: عن صدقة أبي عَقيل، لكونها قليلة، وما فعل هذا الآخر إلا رياء، وعَنُوا به الإنسان الذي جاء بمال كثير، أي: ما تصدق بالكثير إلا إظهارًا لصدقته للناس؛ ليروه ويظنوا به خيرًا، ويحمدوه عليها، فهي مفاخرة ومراءاة للناس، فنزلت: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات، والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم} [التوبة: 79] الآية، ويلمزون أي يعيبون، والمطوعين هم المتطوعين من المؤمنين. فلا يجوز للمسلم إذا رأى شخصًا مطيعًا أو مستقيمًا أن يتهمه بالرياء، فليس له إلا ما ظهر، مثل أن يسمع إمامًا يصلي بترتيل وخشوع أو يبكي في الصلاة، أو يرى شخصًا يتصدق في المسجد بمبلغ كبير، أو غير ذلك.
عن عبد الرحمن بن أبزى عن أُبيّ بن كعب قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أُبَيّ، أُمرتُ أن أقرأ عليك سورة كذا وكذا" قال: قلت: يا رسول الله، وقد ذُكِرتُ هناك؟ قال: "نعم". قال: فقلت له: يا أبا المنذر، ففرحتَ بذلك؟ قال: وما يمنعني والله يقول: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا هو خير مما تجمعون)؟ قال مؤمل: قلت لسفيان: هذه القراءة في الحديث؟ قال: "نعم".
رواه أحمد وأبو نعيم
روى عبد الرحمن بن أبزى عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا أُبَيّ، أُمرتُ أن أقرأ عليك سورة كذا وكذا، فقال: يا رسول الله، وهل ذُكِرتُ في الملأ الأعلى هناك؟ قال عليه الصلاة والسلام: نعم، قال عبد الرحمن: يا أبا المنذر هل فرحت بذلك؟ قال: وما يمنعني من أن أفرح والله يقول: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا هو خير مما تجمعون)؟ وهذا من فضل الله ورحمته أن يُذكر في الملأ الأعلى، وأن يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم عليه سورة من القرآن، قال مؤمل: قلت لسفيان: هذه القراءة في الحديث؟ وهي قراءة فلتفرحوا وتجمعون بالتاء، قال: نعم. وأصل هذا القصة في صحيح مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا»، قال: وسماني لك؟ قال: «نعم» قال: فبكى.
عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبًا وأن ينحِّي الجبالَ عنهم فيزرعوا، فقيل له: إن شئتَ أن تَسْتَأني بهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أُهلكوا كما أَهلكتُ مَن قبلهم. قال: "لا، بل أستأني بهم" فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة} [الإسراء: 59].
رواه أحمد
قال ابن عباس رضي الله عنهما: سأل المشركين من أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم ليجعل لهم جبل الصفا ذهبًا، وأن يُبعد الجبال عن مكة فتكون أرضًا ممتدة ليزرعوا فيها، فخٌيّر عليه الصلاة والسلام بين أن ينتظر ويدعوهم إلى أن يهديهم الله ويوفقهم، أو أن نعطيهم الآيات التي سألوها، فإذا كفروا بها أُهلكوا كما أهلك الله عز وجل الأمم من قبلكم بتكذيبهم الآيات، قال عليه الصلاة والسلام: بل أنتظر وأتربص بهم إلى أن يهديهم الله، أو يخرج من أصلابهم من يعبد الله، وهذا من حلمه وصبره عليه الصلاة والسلام عليهم، مع ما فعلوه له من تكذبيه وتعذيبه إلا أنه صبر عليهم، ولم يُرِد إهلاكهم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة} أي آية واضحة.
كل الكمال والخير في اتباع منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، علماً وعملاً.
هدايات لشرح رياض الصالحين